«مقايضة العملة» تفتح مسارات جديدة للسيولة الأجنبية وتقلل الاعتماد على الدولار

الدولار لم يعد الطريق الوحيد أمام مصر للوصول إلى العملات الأجنبية، مع توسيع أدوات إدارة النقد الأجنبى عبر اتفاقيات مقايضة العملات مع عدد من الشركاء، وفى مقدمتها الإمارات والصين.
خالد محمد بالعمى محافظ المركزى الإماراتى – صورة أرشيفية
بان رونغشنغ
ويأتى تجديد اتفاقية مقايضة الجنيه والدرهم بقيمة اسمية تصل إلى 5 مليارات درهم، بما يعادل نحو 69 مليار جنيه، التى وقعها حسن عبدالله محافظ البنك المركزى المصرى وخالد بالعمى محافظ مصرف الإمارات المركزى، الأسبوع الماضى؛ ليفتح ملفًا أوسع من مجرد توفير السيولة بالدرهم، يتعلق بكيفية إدارة مصر لاحتياجاتها من العملات الأجنبية، وتقليل تكلفة بعض المعاملات التجارية، وتخفيف الطلب على الدولار فى جانب من حركة التجارة الخارجية.
لا تعنى الاتفاقية دخول 69 مليار جنيه إلى الاقتصاد أو تحويل 5 مليارات درهم إلى الاحتياطى فورًا، وإنما المعنى الفعلى هو إنشاء خط سيولة متبادل يمكن تفعيله وفق شروط الاتفاق، بما يسمح بتوفير الدرهم للمعاملات التجارية والمالية المصرية من خلال البنك المركزى، بدل اللجوء فى كل مرة إلى الدفع بالدولار أو تحويله إلى درهم.
التوقيت يعكس انتقال السياسة النقدية من التعامل مع أزمات نقص العملة الأجنبية إلى إدارة المخاطر وتنويع مصادر السيولة، فقد سجل صافى الاحتياطيات الدولية نحو 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، بينما سجل الحساب الجارى عجزًا بنحو 14.6 مليار دولار خلال الفترة يوليو- مارس من السنة المالية 2025/2026، مع صافى تدفقات داخلة بالحساب الرأسمالى والمالى بلغ 9.9 مليار دولار. المعادلة إذًا أصبحت أكثر توازنًا من سنوات الأزمات، لكنها لا تعنى انتهاء الحاجة إلى أدوات احترازية، فالاحتياطى يوفر قدرة عامة على مواجهة الصدمات، بينما تمنح المقايضة البنك المركزى وصولًا مخصصًا إلى عملة بعينها عند الحاجة، وهو ما قد يقلل الضغط على مصادر أخرى من النقد الأجنبى.
كيف تعمل المقايضة؟
مقايضة العملات هى تبادل مؤقت بين عملتين على أساس شروط متفق عليها، مع إعادة التبادل لاحقًا، وفى الحالة المصرية الإماراتية، يمكن عند تفعيل الترتيب إتاحة الدرهم للقطاع المصرفى مقابل الجنيه، بما يدعم المعاملات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
لكن الفارق مهم بين حجم الاتفاقية وحجم التمويل المستخدم فعليًا، فسقف 5 مليارات درهم لا يعنى أن مصر سحبت هذا المبلغ، ولا أن الاحتياطيات زادت به، ولذلك فإن الحكم على قيمة الاتفاقية يجب أن يعتمد لاحقًا على حجم الاستخدام والسحوبات الفعلية ونسبة التجارة التى تتم تسويتها بالعملات المحلية.
وتزداد الفائدة كلما استطاعت الشركات والبنوك إصدار الفواتير وتسوية المدفوعات مباشرة بالجنيه والدرهم، أما إذا استمر الجزء الأكبر من التجارة مقومًا بالدولار، فستظل الفائدة الأساسية للمقايضة هى توفير خط سيولة احتياطى.
مكاسب تجديد الاتفاقية
لا تقتصر أهمية تجديد اتفاقية مقايضة العملات بين مصر والإمارات على توفير سيولة بالدرهم عند الحاجة، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل جزء من آلية المدفوعات بين البلدين، فتسوية بعض المعاملات مباشرة بالعملات المحلية قد تقلل الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة، بما يخفف بعض تكاليف التحويل ومخاطر تدبير السيولة، خاصة مع وجود خطوط ائتمان وأدوات مصرفية تتيح للبنوك تنفيذ هذه العمليات بكفاءة.
وتوفر الاتفاقية، فى الوقت نفسه، خط سيولة بالدرهم يمكن الاستفادة منه عند ارتفاع الطلب على العملة الإماراتية، وهو ما يمنح القطاع المصرفى المصرى قدرًا أكبر من المرونة فى تمويل التجارة والمعاملات المالية المرتبطة بالإمارات، ويحد من الحاجة إلى تدبير الدرهم عبر شراء عملات أجنبية أخرى.
وتزداد أهمية الاتفاقية بالنظر إلى الحجم الكبير للعلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ فقد بلغ حجم التبادل التجارى بين مصر والإمارات نحو 9.68 مليار دولار خلال عام 2025، منها نحو 6.99 مليار صادرات مصرية إلى الإمارات، مقابل 2.69 مليار دولار واردات، كما بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 7.028 مليار دولار خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، وفق البيانات المستندة إلى أرقام البنك المركزى المصرى.
وتكشف هذه الأرقام أن المقايضة لا تستهدف فقط تمويل الواردات المصرية من الإمارات، وإنما يمكن أن تدعم نطاقًا أوسع من العلاقات الاقتصادية، بما يشمل التجارة البينية والاستثمارات وحركة المدفوعات بين الشركات والبنوك، ومن ثم ترتبط القيمة الحقيقية للاتفاقية بمدى تحولها من خط سيولة احتياطى إلى أداة مستخدمة فعليًا فى تسوية جانب من التجارة والاستثمار بالعملات المحلية.
هل تضغط الاتفاقية على الدولار؟
تأثير تجديد اتفاقية المقايضة على سعر الدولار مقابل الجنيه أحد أبرز الأسئلة التى تطرحها الخطوة، خاصة أن الدرهم الإماراتى مرتبط بالدولار، ومن الناحية العملية، فإن توفير السيولة بالدرهم عبر الاتفاقية يمكن أن يقلل حاجة بعض المستوردين إلى شراء الدولار أولًا ثم تحويله إلى الدرهم، بما يعنى إمكانية خفض جزء من الطلب على العملة الأمريكية المرتبط بالتجارة مع الإمارات.
وتزداد أهمية هذا الأثر إذا توسعت الشركات والبنوك فى استخدام الجنيه والدرهم بصورة مباشرة فى تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية، ففى هذه الحالة، يمكن للمقايضة أن توفر جزءًا من الطلب على الدولار باعتباره عملة وسيطة، وهو ما قد يدعم استقرار سوق الصرف ويخفف بعض الضغوط على الجنيه، لكنه لا يعنى بالضرورة انخفاضًا مباشرًا أو فوريًا فى سعر الدولار.
كما أن قيمة الاتفاقية البالغة 5 مليارات درهم، أى نحو 1.36 مليار دولار وفق سعر الربط الرسمى للدرهم بالدولار، تمثل سقفًا للسيولة المتاحة وليست تدفقًا نقديًا مضمونًا إلى السوق، ولذلك يتوقف تأثيرها الفعلى على سعر الصرف على حجم السحوبات والاستخدام الحقيقى للاتفاقية، وعلى نسبة التجارة المصرية الإماراتية التى ستتحول بالفعل إلى التسوية بالعملات المحلية. ومن ثم، فإن الأثر المحتمل للمقايضة على الدولار يمكن وصفه بأنه تقليل لبعض الطلب على العملة الأمريكية، وليس زيادة مباشرة فى المعروض منها، وهذه نقطة فارقة؛ فالاتفاقية تستطيع تخفيف الضغط على الدولار فى جزء محدد من المعاملات، لكنها لا تضيف إلى الاقتصاد موارد جديدة من الدولار بالمعنى التقليدى. كما أن حجم التأثير سيظل محدودًا إذا استمر معظم الطلب على الدولار لأغراض أخرى، مثل تمويل الواردات من دول مختلفة، أو سداد الالتزامات الخارجية، أو تغطية الاحتياجات الاستثمارية والتمويلية، ولهذا يظل الاتجاه المستدام لسعر الدولار مقابل الجنيه مرتبطًا بصورة أكبر بالتوازن الكلى بين موارد النقد الأجنبى واستخداماته، بما يشمل الصادرات والاستثمار والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج وعوائد قناة السويس، إلى جانب حجم الواردات والالتزامات الخارجية.
وبالتالى، فإن المقايضة يمكن أن تصبح أداة داعمة لاستقرار سوق الصرف عبر خفض الطلب الهامشى على الدولار فى التجارة المصرية الإماراتية، لكن تأثيرها لا يكفى منفردًا لتغيير مسار سعر الدولار، وكلما ارتفعت نسبة التجارة التى تتم تسويتها مباشرة بالجنيه والدرهم، زادت قدرتها على تخفيف الطلب على الدولار، بينما يظل خفض الدولار بصورة مستدامة مرتبطًا بتحسن هيكل تدفقات النقد الأجنبى إلى الاقتصاد المصرى.
الصين تكشف الهدف الأكبر
الاتفاقية الإماراتية تأتى ضمن مسار أوسع فى السياسة النقدية المصرية.. ففى يونيو 2026 جددت مصر والصين اتفاقية المقايضة المحلية ورفعت قيمتها من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات، بهدف توسيع استخدام العملتين المحليتين وتسهيل التجارة والاستثمار وتعزيز الاستقرار المالى.
وهنا تظهر أهمية المقايضة مع الصين بصورة مختلفة عن الإمارات، ففى النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 بلغت واردات مصر من الصين نحو 6.609 مليار دولار، مقابل صادرات مصرية لم تتجاوز نحو 235.6 مليون دولار، بما يعكس عجزًا تجاريًا كبيرًا.
لذلك يمكن لتسوية جزء من المدفوعات باليوان والجنيه أن تخفف الحاجة إلى الدولار كعملة وسيطة، لكنها لا تعالج العجز التجارى نفسه، إذ تظل معالجة العجز مرتبطة بزيادة الصادرات المصرية وتنويعها ودخول منتجات مصرية أكثر إلى السوق الصينية.
شروط مهمة للاستفادة
تحقيق أكبر استفادة من اتفاقيات مقايضة العملات لا يرتبط بحجمها المالى فقط، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى أداة فعلية لتسوية التجارة والاستثمار بالعملات المحلية، ويتطلب ذلك، فى المقام الأول، أن تكون الاتفاقية مع شريك يتمتع بحجم تجارة كبير ومستقر، حتى تتوافر معاملات متكررة تبرر استخدامها.
كما تحتاج مصر إلى توسيع استخدام المقايضة من مستوى البنوك المركزية إلى البنوك والشركات، عبر توفير حسابات بالعملات المحلية، وتسهيل التحويلات المباشرة، وربط أنظمة الدفع والمراسلة المصرفية بين الجانبين، ويظل وجود سوق فعالة لتسعير العملات وأدوات للتحوط من تقلبات أسعار الصرف شرطًا أساسيًا حتى تكون التسوية المحلية جاذبة للقطاع الخاص. ومن المهم كذلك أن يكون حجم خط المقايضة متناسبًا مع حجم التجارة واحتياجات السيولة الفعلية، مع وضوح شروط السحب وإعادة العملات وتكلفة استخدام الخط. فكبر السقف المالى لا يضمن زيادة العائد إذا لم يقابله استخدام حقيقى. وتتعاظم الفائدة عندما ترتبط المقايضة بزيادة الصادرات المصرية إلى الدولة الشريكة، وليس فقط تمويل الواردات؛ لأن الهدف على المدى الطويل هو إتاحة تدفقات متوازنة بالعملات المحلية وتقليل الحاجة إلى العملات الوسيطة. وأخيرًا، ينبغى قياس نجاح الاتفاقيات وفق مؤشرات عملية، مثل حجم التجارة التى جرت تسويتها بالعملات المحلية، ونسبة الاعتماد على الدولار التى تم توفيرها، وتكلفة التسوية، ومدى استفادة القطاع الخاص.. وعند توافر هذه الشروط، تتحول المقايضة من مجرد خط سيولة احتياطى إلى أداة حقيقية لتنويع مصادر النقد الأجنبى وتقليل مخاطر التجارة الخارجية.




