15 حزيران/يونيو 2026
الزيارات: 51
بقلم : القاضي الدكتور حسن الرصابي/
يطل علينا العام الهجري الجديد حاملاً معه أريج ذكرى الهجرة النبوية المباركة؛ تلك المناسبة التي لا تقف حدود إحيائها عند مظاهر الاحتفاء السطحي، بل تمتد لتلامس عمق الوجدان الإيماني لشعبنا اليمني الأبي، الذي يبرهن في كل محطة دينية على عظم ارتباطه الوثيق برسول الأمة ونبيها الخاتم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- والسير على نهجه القويم، مقتفياً أثر سيرته العطرة وأخلاقه الكريمة.
إن استحضار هذا الحدث التاريخي العظيم في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها بلادنا جراء استمرار المؤامرات والحصار، يحمل دلالات استراتيجية وإيمانية بالغة الأهمية؛ فالهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي هرباً من الأذى، بل كانت استراتيجية ربانية دقيقة لتأسيس أول كيان جامع للإسلام، ونقطة تحوّل كبرى غيّرت مجرى التاريخ وصاغت ملامح الإنسانية من جديد.
ومن أبرز الدروس والعبر التي نستلهمها اليوم من هذا الحدث الفاصل، هو إدراك أن الشدائد مهما بلغت وتكالب الأعداء فإنها لا تدوم، وأن الابتلاء قرين التمكين والاستخلاف. فبعد سنوات المعاناة والاضطهاد التي عاشها الرعيل الأول في مكة، جاء الإذن الإلهي بالتحرك نحو المدينة المنورة لتكون منطلقاً لبناء الدولة وإرساء دعائم الحق، وميداناً تهاوت فيه عروش الكفر والمشركين، فارتفعت كلمة الله عُليا ودُحرت مخططات التآمر الحاقدة.
إن التجربة التاريخية للهجرة النبوية تُعلمنا أن بناء الأمم وتحقيق الانتصارات الكبرى -كعزة يوم بدر والفتح المبين في مكة- يتطلب رص الصفوف، والتحلي بأعلى درجات الصبر والصمود، وبذل الأسباب المادية مع كامل التوكل على الله جل وعلا. واليمنيون اليوم، بتفرد حفاوتهم وتمسكهم بذكرى المصطفى، يجددون العهد الإيماني على مواجهة التحديات وثبات العزائم، وإفشال المؤامرات الهدامة التي تحاك ضد وطنهم وأمتهم ودينهم الحنيف.
إننا أمام هذه المحطة الإيمانية المتجددة، نؤكد على الحقيقة الخالدة التي أثبتتها وقائع الهجرة: أن العبرة دائماً بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وأن النصر مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، ومن ظلمة الآلام تنبلج تباشير الآمال. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ بالعودة الصادقة إلى هدي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم- وجعل مشاق الحاضر طريقاً للانطلاق نحو مستقبل مشرق تسوده قيم العدالة والحرية والكرامة.
ختاماً، إن الاحتفاء الحقيقي بالهجرة النبوية في واقعنا المعاصر لا يتجسد في الكلمات، بل في تحويل دروسها إلى منهج عمل وعقيدة صمود؛ فالأوطان لا تُبنى بالأماني، والانتصارات لا تتحقق إلا بجهاد الأنفس ورصّ الصفوف وتكامل الجهود المؤسسية والدينية. ومن قلب المعاناة التي يمر بها شعبنا، نرى في الأفق ملامح التمكين والنصر تلوح لكل عينٍ بصيرة، مؤمنين بأن الهجرة كانت وما زالت مدرسة الأمل المتجدد، التي تُعلمنا أن الفجر ينبثق من أشد أوقات الليل ظلمة، وأن اليمن السعيد، بإرثه الإيماني العريق والتفافه حول النهج المحمدي الخاتم وأهل بيته الطيبين الطاهرين، قادرٌ على صياغة مستقبله المشرق، محافظاً على وحدته الوطنية، متجاوزاً كيد الحاقدين ومؤامرات المتربصين، ليبقى كما كان دائماً.. منبع المدد وحصن الرسالة الخالد.
