“أنا منهك تماماً…”
اعترف ليونيل ميسي لوسائل الإعلام بعد مباراة الأرجنتين المثيرة التي استمرت 120 دقيقة ضد منتخب الرأس الأخضر صباح يوم 4 يوليو/تموز. فقد اضطر، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، إلى خوض المباراة كاملة في ظروف جوية حارة ورطبة في فلوريدا، قبل أن تفوز الأرجنتين بنتيجة 3-2 بعد الوقت الإضافي.
إن مجرد رؤية ميسي وهو يلعب لمدة 120 دقيقة كاملة تُظهر مدى صعوبة بطولة كأس العالم 2026. لن يحظى المنتخب الأرجنتيني إلا بأربعة أيام راحة قبل مباراته التالية، ما يعني أن التعافي سيبدأ فور انتهاء المنافسات البدنية الشاقة.
أظهر ميسي علامات واضحة على الإرهاق مع دخول المباراة ضد كابو فيردي إلى الوقت الإضافي.
لكن ميسي ليس الحالة الوحيدة.
اعترف إيرلينج هالاند – المهاجم الذي يبلغ طوله مترين تقريبًا، والمعروف بقوته وبراعته البدنية الفائقة – بأنه “مرهق” بعد مساعدة النرويج على هزيمة ساحل العاج 2-1 في دور الـ32.
بحسب وكالة رويترز، أكد المدرب ستال سولباكن أن مهاجمه النجم أظهر علامات واضحة على الإرهاق خلال المباراة. والجدير بالذكر أن المنتخب النرويجي أراح هالاند ومارتن أوديجارد عمداً في خسارته 1-4 أمام فرنسا في دور المجموعات. بل إن المدرب سولباكن أجرى تغييرات على 10 من أصل 11 لاعباً أساسياً لتوفير الطاقة للأدوار الإقصائية. ولكن بعد مباراة واحدة فقط، كانت علامات الإرهاق واضحة.
هالاند “منهك”: كيف تستنزف بطولات كأس العالم التي تضم 48 فريقاً طاقة اللاعبين؟
حتى لاعب طويل القامة وشاب مثل هالاند يشعر بوضوح بقسوة النظام الجديد والظروف الجوية في كأس العالم هذه.
أحدهما يبلغ من العمر 39 عامًا، وقد أمضى أكثر من عقدين من الزمن يلعب كرة القدم على أعلى المستويات. أما الآخر فهو في أوج عطائه ويُعتبر قوة بدنية هائلة في كرة القدم الحديثة. يختلف ميسي وهالاند في كل شيء تقريبًا، ومع ذلك يشتركان في نفس الحالة: الإرهاق. إذا كان حتى لاعبون مثلهما بدأوا يفقدون طاقتهم، فإن الأمر لم يعد يقتصر على اللياقة البدنية الفردية فحسب.
كأس العالم أكبر، فإلى أي مدى يستطيع جسم اللاعب تحمل ذلك؟
ستكون بطولة كأس العالم 2026 أكبر بطولة في التاريخ، حيث سيزداد عدد الفرق من 32 إلى 48، ويزداد إجمالي عدد المباريات من 64 إلى 104، وستستمر لمدة 39 يومًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
بالنسبة للفرق التي تتقدم أكثر، قد تمتد رحلة البطولة إلى 8 مباريات بدلاً من 7 كما كان سابقاً. قد لا تبدو مباراة إضافية كثيرة، لكن في نهاية موسم طويل للأندية، قد تصبح كل 90 دقيقة عبئاً ثقيلاً.
ينضم العديد من النجوم إلى كأس العالم مباشرةً بعد انتهاء مواسمهم الأوروبية. ويحملون معهم آلاف الدقائق المتراكمة من اللعب، وإصابات طفيفة، ورحلات جوية متواصلة، وإرهاقاً تراكم على مدى شهور عديدة.
قد يعجبك أيضاً
التشكيلة الأساسية والنتيجة المتوقعة لمباراة كولومبيا ضد غانا.يواجه منتخب كولومبيا نظيره الغاني في دور الـ32 من كأس العالم 2026 في مباراة يُتوقع أن تكون حماسية. يُعتبر خاميس رودريغيز ولويس دياز ركيزتي المنتخب الكولومبي، بينما يعتمد منتخب غانا على بارتي وأيو، بالإضافة إلى أسلوب لعب يعتمد على الهجمات المرتدة القوية.
بالنسبة للاعب يبلغ من العمر 39 عاماً مثل ميسي، فإن اللعب بهذه الكثافة العالية أمر مرهق للغاية.
أوضح خبير الطب الرياضي دوم راي لوكالة رويترز أن اللاعبين يمكنهم التعافي بشكل ملحوظ في غضون خمسة أيام تقريبًا. مع ذلك، لا يمكن التخلص من الإرهاق المتراكم الذي يستمر لأسابيع أو شهور بمجرد بضعة أيام من الراحة. وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في مشكلة الإرهاق.
قد يكون اللاعب لائقًا بدنيًا بما يكفي للعب، لكن جسده قد لا يكون بالضرورة قد استعاد كامل لياقته. لا يزال بإمكان ميسي اللعب 120 دقيقة، ولا يزال بإمكان هالاند تسجيل الأهداف. لكن القدرة على مواصلة اللعب لا تعني بالضرورة أن الجسم قد تعافى تمامًا.
الطقس في أمريكا الشمالية الآن حار ومشمس للغاية.
وفي الأدوار الإقصائية، قد يكون الفارق مجرد جزء من الثانية. فتباطؤ الجري، أو تفويت فرصة التحدي، أو تأخر القرار لجزء من الثانية، كلها عوامل قد تغير مجرى المباراة بأكملها.
إن النقاش حول إرهاق اللاعبين قائمٌ منذ ما قبل البطولة. وقد أشارت دراساتٌ حول صحة اللاعبين إلى ضرورة وجود فترات راحة دنيا ومراحل إعادة تأهيل قبل العودة إلى اللعب، نظراً لتزايد ضغط جدول مباريات كرة القدم. لكن كأس العالم 2026 ينقل هذه المسألة إلى مستوى آخر. فاللاعبون لا يخوضون مباريات أكثر فحسب، بل يسافرون أيضاً لمسافات أطول ويلعبون في ظروف مناخية مختلفة تماماً.
المعركة ضد الحرارة والمسافات الطويلة والارتفاعات الشاهقة.
امتدت بطولة كأس العالم 2026 على 16 مدينة في 3 دول. وقد شكّلت المسافات الجغرافية الشاسعة تحديًا كبيرًا من حيث اللياقة البدنية، وهو ما شعر به المنتخب التشيكي مبكرًا. فبعد خروجهم من البطولة، أشار المدرب ميروسلاف كوبيك علنًا إلى الإرهاق الناتج عن جدول السفر المكثف كأحد مشاكل الفريق.
هذا فرق شاسع مقارنة ببطولات كأس العالم الأصغر حجماً. فبعد كل مباراة، لا يحتاج اللاعبون فقط إلى استعادة عضلاتهم، بل يضطرون أحياناً أيضاً إلى السفر جواً، وتغيير المناطق الزمنية، والتكيف مع مناخات وظروف لعب جديدة.
تعرضت فترات الراحة لشرب الماء لانتقادات بسبب تعطيلها للعبة، لكنها ضرورية للاعبين.
لا يقتصر التحدي على النظام الموسع فحسب، فبحسب رويترز، تغطي موجة حرّ شديدة مناطق واسعة في الولايات المتحدة وكندا خلال مرحلة خروج المغلوب. وتشير التوقعات إلى أن درجات الحرارة في بعض المناطق قد تصل إلى 105-115 درجة فهرنهايت، أي ما يعادل 40.6-46.1 درجة مئوية تقريبًا.
حذّرت دراسة نشرتها رويترز قبل انطلاق البطولة من أن حوالي 25% من المباريات البالغ عددها 104 مباريات قد تُقام في ظروف تتجاوز حدود درجات الحرارة الآمنة التي أوصى بها الاتحاد الدولي لمحترفي كرة القدم (FIFPRO). وقد تُقام حوالي خمس مباريات في ظروف بالغة الخطورة تستدعي النظر في تأجيلها.
لا يقتصر تأثير الطقس الحار على الشعور بعدم الراحة فحسب، بل عندما يضطر الجسم إلى بذل المزيد من الطاقة لتبريد نفسه، فإن القدرة على الحفاظ على مستوى النشاط البدني والتعافي والبقاء في حالة تأهب قد تتأثر جميعها.
سيلعب المنتخب الإنجليزي في ملعب يقع على ارتفاع يزيد عن 2200 متر فوق مستوى سطح البحر في المكسيك.
ولهذا السبب أيضاً أصبحت فترات الراحة لشرب الماء مشهداً مألوفاً في كأس العالم هذا العام. ورغم الجدل الدائر حول تأثيرها على إيقاع اللعب، يرى دوم راي أنها إجراء ضروري نظراً لتزايد المتطلبات البدنية. وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب الاختلافات الكبيرة بين الملاعب.
قبل مباراة دور الـ16 بين إنجلترا والمكسيك، أصبح ارتفاع مدينة مكسيكو، الذي يبلغ حوالي 2200 متر، مصدر قلق بالغ. وحذر خبير الطب الرياضي تيم ماير من أن فترة الـ102 ساعة المتاحة للاعبين الإنجليز غير كافية على الأرجح للتكيف الكامل مع الهواء الرقيق. وقد يؤثر الارتفاع على الأداء البدني والنوم والتعافي.
تحمل حالتا ميسي وهالاند دلالات أعمق من مجرد شكاوى الإرهاق. فميسي، البالغ من العمر 39 عامًا، كان لا يزال يتحمل عبء اللعب 120 دقيقة في مباراة إقصائية. أما هالاند، الذي كان في أوج لياقته البدنية، فقد أُريح عمدًا، لكنه مع ذلك أظهر علامات واضحة على الإرهاق بعد مباراة شاقة. لاعبان في مرحلتين مختلفتين تمامًا من مسيرتهما وصلا إلى نفس الحد.
المصدر:
