لم يكن حسين رياض مجرد ممثل يقف أمام الكاميرا، بل كان واحدا من الفنانين الذين صنعوا حضورهم بالصدق قبل الشهرة. بدأ رحلته وهو يخفي حلمه عن أسرته ويغير اسمه حتى يتمكن من الوقوف على خشبة المسرح، ثم مضى في طريق طويل استمر 46 عاما، حتى رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم ، بعدما ترك إرثا فنيا لا يزال حاضرا في ذاكرة الجمهور، ليبقى اسمه واحدا من أبرز رواد الفن في مصر والعالم العربي.
ولد حسين رياض، واسمه الحقيقي حسين محمود شفيق، في 13 يناير 1897 بحي السيدة زينب بالقاهرة، لأب مصري ميسور الحال يعمل في تجارة الجلود، وأم سورية، وتنتمي أسرته إلى أصول تركية ترجع إلى جزيرة كريت. وكان شقيقه الأصغر هو الفنان فؤاد شفيق، الذي سلك الطريق نفسه فيما بعد.
نشأ حسين رياض في بيت محافظ، وكان والده يصطحبه مع شقيقيه إلى عروض سلامة حجازي المسرحية، لتبدأ علاقة مبكرة بالمسرح تحولت مع مرور الوقت إلى شغف حقيقي. واستجابة لرغبة والده التحق بالكلية الحربية، إلا أن حلم الفن كان أقوى، فتركها وقرر أن يكرس حياته للتمثيل .
خلال دراسته الثانوية انضم إلى فريق التمثيل بالمدرسة، وتلقى تدريباته الأولى على يد إسماعيل وهبي، شقيق الفنان يوسف وهبي، ثم كون مع مجموعة من أصدقائه، من بينهم يوسف وهبي، وحسن فايق، وأحمد علام، وعباس فارس، فريقًا لهواة التمثيل، قبل أن يتلقى نصيحة من الفنان عزيز عيد بالاحتراف، وفي عام 1916 وقف للمرة الأولى على خشبة مسرح جورج أبيض من خلال مسرحية «خلي بالك من إميلي» التي قامت ببطولتها روزاليوسف. وخوفا من أسرته ، غير اسمه من حسين محمود شفيق إلى حسين رياض، وهو الاسم الذي ارتبط به طوال مشواره الفني حتى أصبح واحدا من أشهر الأسماء في تاريخ الفن المصري.
تنقل بعد ذلك بين أهم الفرق المسرحية، فعمل مع فرقة عبدالرحمن رشدي، ثم انضم إلى فرقة رمسيس التي أسسها يوسف وهبي عام 1923، قبل أن ينتقل إلى فرقة فاطمة رشدي، كما تعاون مع فرق نجيب الريحاني، ومنيرة المهدية، وعلي الكسار، وعكاشة، وانضم إلى اتحاد الممثلين عام 1934.
وخلال رحلته على المسرح قدم عشرات الأعمال التي أصبحت علامات بارزة، من بينها «عاصفة على بيت عطيل» ، «تاجر البندقية»، «لويس الحادي عشر»، «أنطونيو وكليوباترا»، «شهرزاد»، «مصرع كليوباترا»، و«الأرملة الطروب»، ، ونال لقب «ممثل من الدرجة الممتازة» تقديرا لقدراته المسرحية.
ومع بدايات السينما المصرية، شارك في أفلام السينما الصامتة، وكانت من أوائل مشاركاته فيلم «صاحب السعادة كشكش بيه» عام 1931، ثم «حوادث كشكش بيك» عام 1934، قبل أن يواصل حضوره في السينما الناطقة من خلال أفلام مثل «الدفاع»، و«سلامة في خير»، و«لاشين» .
وكانت أول بطولة سينمائية بارزة له في فيلم «ليلى بنت الصحراء» عام 1937 أمام بهيجة حافظ، مقابل أجره وقتها 50 جنيها فقط. ومنذ ذلك الحين أصبح أحد أعمدة السينما المصرية، وقدم أدوارا متنوعة بين الأب الحنون، والموظف البسيط، والعمدة، ورجل الأعمال، والباشا، وحتى الشخصيات المركبة والشريرة، رافضًا أن يحصر نفسه في قالب واحد، وتجاوزت أعماله 320 فيلما، ونحو 240 مسرحية، وأكثر من 150 عملا إذاعيا، و50 عملا تليفزيونيا.
وقد ضمت مسيرته عشرات الأفلام التي أصبحت من كلاسيكيات السينما، من بينها : الأفوكاتو مديحة (1950) ، الأسطى حسن (1952) ، بائعة الخبز (1953) ، رد قلبي (1957) ، شارع الحب (1958) ،أنا حرة (1959) ، في بيتنا رجل (1961) ، وا إسلاماه (1961) ، الناصر صلاح لدين (1963)، أغلى من حياتي ، الخائنة، وليلة الزفاف (1965) .
ولم يقتصر نشاطه على السينما والمسرح، بل كان للإذاعة نصيب كبير من عطائه، إذ شارك في نحو 150 مسلسلا وتمثيلية إذاعية، من أشهرها «القط الأسود»، كما شارك في أعمال غنائية وإذاعية للأطفال، أبرزها أغنية «جدو يا جدو» ضمن برنامج «غنوة وحدوتة» مع أبلة فضيلة وسعاد حسني، إضافة إلى مشاركته في المسرحيات الغنائية مثل «العشرة الطيبة» و«شهرزاد» ، كما كان له حضور مميز على شاشة التليفزيون، من أبرزها مسلسل هارب من الأيام عام 1963، وجواز البنات، خيال المآتة، و«عروس اليمامة» عام 1964، ثم عواصف عام 1965.
وعرف رياض بإتقانه الشديد للشخصيات التي يؤديها، حتى إنه كان يعيش تفاصيلها خارج موقع التصوير. وروت ابنته فاطمة حسين رياض أنه أثناء تصوير فيلم «الأسطى حسن»، الذي جسد فيه شخصية رجل مشلول، عاد إلى منزله فاقدا الحركة بالفعل لفترة قصيرة، قبل أن يتلقى العلاج ويستعيد عافيته، في واقعة ظلت من أشهر القصص المرتبطة باندماجه في أدواره.
كما كان معروفا بثقافته الواسعة، إذ كان يعقد في منزله صالونا أدبيا وفنيا يجمع عددا من الشعراء والموسيقيين والفنانين، من بينهم الشاعر إبراهيم ناجي، إمام الصفطاوي، الموسيقار عبده صالح، الفنانة زوزو حمدي الحكيم، والفنانة زينب صدقي.
وفي عام 1962 كرمه الرئيس جمال عبدالناصر بمنحه وسام الفنون، تقديرا لمشواره الطويل وإسهاماته في الحركة الفنية المصرية، كما كرمه مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي في دورته السادسة عشرة بمنحه درع الريادة بمناسبة مرور مئة عام على ميلاده، وتسلمت التكريم ابنته فاطمة حسين رياض.
وخلال تصوير فيلم «ليلة الزفاف» عام 1965، تعرض حسين رياض لأزمة قلبية، ورغم تدهور حالته الصحية أصر على مواصلة العمل، قبل أن يرحل في 17 يوليو من العام نفسه عن عمر ناهز 68 عاما، دون أن يتمكن من استكمال مشاهده الأخيرة في الفيلم. وكان قد أوصى أسرته بألا يدفن قبل مرور 24 ساعة على وفاته، متأثرا بالشخصية التي كان يجسدها في آخر أعماله، وهي الوصية التي حرصت أسرته على تنفيذها ، ليرحل ومازالت ملامحه الهادئة، وصوته المميز، وأدواره التي جسدها ببراعة، لا تزال حاضرة مع كل عرض جديد لأفلام الأبيض والأسود ، وكأن الستار لم يسدل على رحلته الفنية حتى اليوم.
