وسط أجواء حماسية في مدينة كانساس سيتي، تمكن المنتخب الأرجنتيني، حامل لقب كأس العالم، من شق طريقه بصعوبة ليضمن مكانه في نصف نهائي البطولة. لم يكن فوزه 3-1 على سويسرا مجرد نتيجة لتألق فردي، بل كان أيضاً دليلاً على روح المثابرة والعزيمة التي باتت سمة مميزة للفريق تحت قيادة ليونيل سكالوني.
ميسي يخوض أول ظهور تاريخي له مع المنتخب الإنجليزي. الصورة: فوكس سبورتس.
حسمت تسديدة جوليان ألفاريز المتقنة في الوقت الإضافي وهدف لاوتارو مارتينيز الفوز على سويسرا العنيدة. إلا أن الثمن كان باهظاً بدنياً ونفسياً. فقد خاضت الأرجنتين وقتاً إضافياً في مباراتين من مبارياتها الثلاث في الأدوار الإقصائية، في دوامة من الضغط على أنفسها حتى وصلت إلى أقصى حدودها، لتنجو في النهاية بعزيمة لا تلين.
إرث سكالوني وتعريف دماء الألبيسيليستي.
في المؤتمر الصحفي الذي أعقب المباراة، واجه ليونيل سكالوني سؤالاً حول أعظم إرث تركه الفريق. فبعد ما يقرب من ثماني سنوات على رأس الجهاز الفني، أنهى هذا المدرب البالغ من العمر 48 عاماً غياباً دام ثلاثة عقود عن منصات التتويج، محرزاً كأس العالم ولقبين في كوبا أمريكا. من شخصية مثيرة للجدل، أصبح سكالوني اليوم يحظى باحترام كبير في بلاده.
أصبح هذا المدرب الذي كان مثيراً للجدل في السابق يحظى الآن باحترام كبير. الصورة: غيتي إيميجز.
نشر سكالوني مقطع فيديو لطفل يبلغ من العمر 10 سنوات يهتف بفخر للأرجنتين بعد فوزهم المثير على مصر في دور الـ16: “نلعب كرة القدم لنشهد لحظات كهذه. إذا كان لهذا الفريق إرث، فهو إلهام الأطفال ليؤمنوا بأنهم قادرون على ارتداء هذا القميص في المستقبل.”
لكن رحلة بناء هذا الإرث استنزفت صبر الجماهير في الوقت نفسه. كانت الأرجنتين في هذه البطولة كياناً متناقضاً: تمتلك القدرة على الهيمنة على أعلى المستويات، لكنها غالباً ما تقع في فوضى عارمة.
قد يعجبك أيضاً
المفارقة بين الهيمنة والفوضى
بدأت المباراة ضد سويسرا بدايةً سلسةً للغاية. لعب ليونيل ميسي بهدوءٍ وثقة، وافتتح التسجيل بركلة ركنية متقنة. إلا أن منظومة الأرجنتين انهارت فجأةً بعد عشر دقائق فقط من الشوط الثاني. سمح خطأٌ لحظيٌّ في تركيز الدفاع لسويسرا بتسجيل هدف التعادل.
كل انتصار يحمل بصمة ميسي المميزة. الصورة: غيتي إيميجز.
حتى مع تفوقهم العددي بعد طرد خصمهم، لم تتمكن الأرجنتين من حسم المباراة في الوقت الأصلي. ميسي، في يوم نادر بدا فيه بشريًا، أهدر عدة فرص ذهبية. ولم يأتِ التحول إلا في الوقت الإضافي بفضل لمسة عبقرية من جوليان ألفاريز.
كان هدف لاوتارو مارتينيز المتأخر بمثابة تذكير حاسم: الأرجنتين تتجه تدريجياً نحو التخلص من اعتمادها المطلق على ميسي. فعندما لا يقدم القائد البالغ من العمر 37 عاماً أداءً جيداً، يعرف اللاعبون من حوله كيف يبرزون في اللحظة المناسبة.
تحدي إكستريم في أتلانتا
تكرر الحديث عن مفهوم “المعاناة” في النفق بعد المباراة. وأكد سكالوني قائلاً: “للوصول إلى نصف نهائي كأس العالم، لا بد من معرفة كيفية تحمل المعاناة” . ومع ذلك، فإن التحدي القادم في أتلانتا يختلف تماماً: مواجهة حاسمة مع إنجلترا.
يأتي النصر دائمًا بعد فترة طويلة مليئة بالتوتر والقلق. الصورة: غيتي إيميجز.
يمثل هذا عودةً لواحدة من أعظم المنافسات في تاريخ كرة القدم العالمية، وهي منافسةٌ سطّرها مارادونا وبيكهام وسيميوني. والجدير بالذكر أن هذه ستكون أول مشاركة لميسي في هذه المباراة المرتقبة من الأدوار الإقصائية في كأس العالم.
دخلت الأرجنتين الدور نصف النهائي وهي تعاني من نقص بدني كبير. فقد لعبت 120 دقيقة كاملة في مباراتين من آخر ثلاث مباريات، ولم تحصل إلا على ثلاثة أيام راحة. وفي مواجهة منتخب إنجلترا الشاب والنشيط، ستكون عملية التعافي حاسمة لنجاح أو فشل منتخب الأرجنتين.
يعاني فريق دي إن إيه في انتظار النتائج قبل مواجهة إنجلترا. الصورة: إي إس بي إن.
“هذا يجري في عروقنا”، هكذا صرّح سكالوني مؤكداً قدرة فريقه على تحمّل الضغط. المباراة نصف النهائية القادمة ليست مجرد معركة تكتيكية، بل هي أيضاً اختبارٌ لما إذا كانت صلابة الأرجنتين الفطرية ستساعدهم على تجاوز قسوة المنافسة البدنية، أو ما إذا كانت أتلانتا ستكون المحطة الأخيرة في رحلتهم للدفاع عن لقبهم.
المصدر:
