رؤية الفنان الفلسطيني برجاء بن حيوة في هندسة الهوية البصرية الإسلامية

نقدم لكم عبر فلسطينيو 48 رحلة في أعماق التاريخ المعماري، حيث تلتقي روحانية القدس بعبقرية التصميم، لنكتشف كيف تحولت خيوط التطريز الفلسطينية وأسرار الحضارات الكنعانية القديمة إلى صرح شامخ غير وجه العمارة العالمية إلى الأبد.
عبقرية رجاء بن حيوة وتأسيس الهوية البصرية الإسلامية
انطلقت رؤية رجاء بن حيوة الكندي من قلب بيسان، حين كلفه الخليفة عبد الملك بن مروان بالإشراف على بناء قبة الصخرة المشرفة في بيت المقدس، بهدف خلق لغة معمارية فريدة تعكس كبرياء العقيدة الجديدة وتنافس البذخ البيزنطي والساساني، محولاً هذا الصرح من مجرد بناء إنشائي إلى رمز بصري يجسد القوة والسكينة في آن واحد.
استلهام الموروث الكنعاني ورمزية النجمة المثمنة
لم يستورد رجاء تصاميمه من ثقافات غريبة، بل استلهمها من الذاكرة الفلسطينية العريقة، حيث اعتمد المخطط المثمن المستوحى من “النجمة الكنعانية” التي تزين أثواب النساء في الخليل ورام الله وغزة تحت مسمى “عرق الوردة”، كما دمج بينها وبين رمزية نجمة بيت لحم الهادية، ليحول غرزة التطريز التقليدية إلى فلسفة هندسية تجلت في تقاطع المربعات والزخارف النباتية المذهبة والخط الكوفي الأصيل.
امتداد الأثر المعماري من القدس إلى العالم
تجاوز تأثير هذا التصميم حدود بيت المقدس، ليشكل المرجع الأساسي لعمارة المسجد الأموي في دمشق، وبغداد الدائرية، ومسجد أحمد بن طولون في مصر، وصولاً إلى الزليج المغربي وقصر الحمراء في الأندلس، بل وامتد هذا الإلهام ليصل إلى أوروبا عبر فرسان الهيكل الذين نقلوا المخطط المثمن لبناء كنائس مستديرة في لندن وإيطاليا وفرنسا، مما يثبت أن عبقرية ابن بيسان كانت الأساس للهوية البصرية الإسلامية.
الاستقلال الثقافي والدمج بين الفقه والفن
مثلت عمارة قبة الصخرة إعلاناً صريحاً للاستقلال الثقافي والفني، حيث نجح رجاء بن حيوة في صهر الموروثات الشامية وتنقيتها من الرموز الوثنية، معتمداً على أصالة الرمز الكنعاني ليخلق فضاءً يربط الأرض بالسماء عبر اتزان رياضي معقد، تاركاً وراءه نموذجاً للمثقف المسلم الشامل الذي جمع بين فقه النص وفقه الفضاء المعماري.
قدمنا لكم عبر موقع فلسطينيو 48 قصة رجاء بن حيوة، الذي صهر الفن بالتاريخ ليعلن استقلالاً ثقافياً جعل من قبة الصخرة قلباً نابضاً للهوية الإسلامية، ومثالاً خالداً على قدرة الإنسان الفلسطيني في تحويل موروث أرضه إلى إرث عالمي يتحدى الزمن.




