أكثر من 40 مليون دولار حصيلةُ المشاركة في نسختين من كأس العالم.. كيف حول المغرب نجاحه المونديالي إلى رافعة اقتصادية؟

أكثر من 40 مليون دولار حصيلةُ المشاركة في نسختين من كأس العالم.. كيف حول المغرب نجاحه المونديالي إلى رافعة اقتصادية؟

لم تعد المشاركة المغربية في نهائيات كأس العالم مجرد محطة رياضية لتحقيق النتائج وكتابة صفحات جديدة في تاريخ كرة القدم الوطنية، بل أصبحت أيضا مصدرا ماليا مهما يساهم في دعم المشروع الكروي الذي أطلقته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الماضية، بعدما تحول المنتخب الوطني إلى أحد أبرز المنتخبات العالمية بفضل حضوره القوي في أكبر محفل كروي على الإطلاق.

وبفضل المسار الإيجابي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم 2026، المقامة بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، ستستفيد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من عائدات مالية مهمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، بعدما بلغ “أسود الأطلس” دور ربع النهائي، في إنجاز جعلهم أول منتخب إفريقي يصل إلى هذا الدور في نسختين متتاليتين من المونديال.

وخاض المنتخب المغربي خلال مونديال 2026 ست مباريات، بعد بلوغ دور الثمانية، ليضمن بذلك منحة رياضية قيمتها 19 مليون دولار، وهي القيمة التي خصصتها “الفيفا” للمنتخبات التي تنهي مشاركتها بين المركز الخامس والثامن في البطولة العالمية.

ولا تقتصر العائدات المغربية من المشاركة الحالية على هذه المنحة فقط، إذ حصلت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قبل انطلاق المنافسات على مبلغ 2,5 ملايين دولار من الاتحاد الدولي، في إطار برنامج دعم استعدادات المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026، كما استفادت بعد ضمان التأهل إلى النهائيات من مبلغ 10 ملايين دولار مخصص للمنتخبات المتأهلة.

وبذلك، فإن مجموع ما ضمنته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من عائدات مرتبطة بمونديال 2026 يصل إلى 31,5 مليون دولار، وهو مبلغ يعكس القيمة المالية المتزايدة للنجاحات الرياضية التي حققها المنتخب الوطني في السنوات الأخيرة، خصوصا بعد الانتقال من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المنافسة على أعلى المستويات.

وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022، عندما كتب صفحة غير مسبوقة في تاريخ كرة القدم العربية والإفريقية بوصوله إلى الدور نصف النهائي، قبل إنهاء المنافسات في المركز الرابع كأول منتخب عربي وإفريقي يبلغ المربع الذهبي لكأس العالم.

وفي تلك النسخة، حصلت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على منحة مالية بقيمة 25 مليون دولار من “الفيفا” نظير احتلال المنتخب المغربي المركز الرابع عالميا، علما أن الاتحاد الدولي خصص آنذاك 440 مليون دولار مجموع الجوائز المالية للمنتخبات المشاركة، حيث حصل بطل العالم الأرجنتين على 42 مليون دولار، والوصيف فرنسا على 30 مليون دولار، فيما نال المنتخب الكرواتي صاحب المركز الثالث 27 مليون دولار.

وقبل انطلاق مونديال قطر، استفادت الجامعة أيضا من مبلغ 1,5 ملايين دولار من “الفيفا” لتغطية تكاليف الإعداد والتحضير للبطولة، وهو الدعم الذي استفادت منه جميع المنتخبات المتأهلة إلى النهائيات في تلك النسخة.

وتكتسي هذه العائدات أهمية كبيرة بالنسبة للمشروع الكروي المغربي، على اعتبار أنها توفر موارد إضافية تمكن الجامعة من مواصلة الاستثمار في تكوين اللاعبين الشباب، وتطوير مراكز التكوين، والبحث عن المواهب داخل المغرب وخارجه، إضافة إلى تحسين ظروف ممارسة كرة القدم بمختلف مستوياتها.

ويعتبر مركز محمد السادس لكرة القدم أحد أبرز تجليات هذا التوجه، إذ أصبح منصة أساسية لصناعة أجيال جديدة من اللاعبين، عبر توفير تكوين حديث يجمع بين الجانب التقني والبدني والتربوي، وهو ما انعكس على نتائج مختلف المنتخبات الوطنية، بداية من المنتخب الأول وصولا إلى الفئات السنية الصغرى.

فالنجاحات التي حققتها المنتخبات المغربية في السنوات الأخيرة لم تعد مرتبطة فقط بالمنتخب الأول، بل امتدت إلى منتخبات أقل من 17 سنة وأقل من 20 سنة والمنتخب الأولمبي، التي حققت بدورها قفزات نوعية قاريا ودوليا أبرزها كأس العالم للشباب وبرونزية أولمبياد باريس 2024، وهو ما يؤكد أن الأمر يتعلق بمشروع متكامل وليس بنتائج ظرفية.

كما أن الحضور المغربي القوي في كأس العالم أصبح يحمل أبعادا اقتصادية تتجاوز عائدات الجوائز المالية، إذ يرفع من قيمة العلامة الكروية المغربية، ويزيد من جاذبية البطولة الوطنية واللاعبين المغاربة في الأسواق العالمية، كما يعزز صورة المغرب كبلد قادر على إنتاج المواهب وتنظيم التظاهرات الكبرى.

ويؤكد وصول المنتخب المغربي إلى ربع نهائي مونديالي 2022 و2026 أن الاستثمار في كرة القدم أصبح خيارا استراتيجيا له مردودية رياضية واقتصادية، بعدما انتقلت الكرة المغربية من البحث عن التأهل إلى المنافسة على الأدوار المتقدمة، وهو تحول يضع المغرب ضمن دائرة المنتخبات الأكثر حضورا وتأثيرا على الساحة الدولية.

وبين ملايين الدولارات التي ضخها “الفيفا” والمكاسب المعنوية والتجارية التي جلبتها الإنجازات الأخيرة، يبدو أن نجاح المنتخب المغربي في كأس العالم لم يعد مجرد قصة انتصارات داخل الملعب، بل أصبح رافعة لمشروع رياضي طويل الأمد يهدف إلى تثبيت مكانة المغرب بين كبار كرة القدم العالمية، قبل احتضان المونديال في 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.