قبيل تفعيل منظومة “الخصم المباشر” الجديدة لصرف مستحقات الخبز المدعم، تبرز حالة من التباين في الرؤى بين الحكومة التي تؤكد أن الهدف هو إحكام الرقابة ورفع كفاءة الدعم دون المساس بالمواطن، وبين أصحاب المخابز الذين يخشون تحول عبء توفير السيولة اليومية إليهم، خاصة في ظل تكاليف إنتاجية يصفونها بأنها لم تعد تغطي المصروفات الفعلية.
ورغم تطمينات وزارة التموين باستقرار حصة المواطن وسعر الرغيف، أبدى أصحاب المخابز في مختلف المحافظات تساؤلات جوهرية حول آليات التنفيذ ومواعيد الصرف، ومدى جاهزية المنظومة لتفادي أي إرباك في الدورة التشغيلية للمخابز التي تنتج ملايين الأرغفة يوميًا، وذلك في تصريحات خاصة لموقع “أقرأ نيوز 24”.
لا تغيير للمواطن.. والتعديل يقتصر على الدورة المالية
أكدت مصادر بوزارة التموين في حديثها لموقع “أقرأ نيوز 24″، أن تطبيق منظومة الخصم المباشر بدءًا من الأول من أغسطس المقبل لن يؤثر على حقوق المواطنين في الخبز المدعم، حيث تهدف المنظومة إلى إعادة تنظيم الدورة المالية بين المطاحن والمخابز وجهات الصرف، من خلال استبدال نظام التعويضات اللاحقة بآلية السداد النقدي المباشر، بما يضمن حوكمة أكبر ويحد من الهدر في تتبع حركة القمح والدقيق.
وأوضحت المصادر أن المطحن سيسدد قيمة القمح مسبقًا، بينما يشتري المخبز الدقيق نقدًا قبل الإنتاج، على أن يتم تحويل مستحقاته المالية لاحقًا بناءً على الكميات المسجلة إلكترونيًا عبر ماكينات الصرف، مشددة على أن المواطن لن يشعر بأي تغيير في طريقة استلام الخبز، لأن التعديلات مالية تنظيمية بحتة.
ثبات حصة المواطن وسعر الرغيف
من جانبه، صرح عبدالله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، بأن القلق المثار لا يمس حقوق المواطنين، مؤكدًا بقاء الضوابط الأساسية كما هي دون تغيير.
وأشار غراب إلى استمرار حصة الفرد عند خمسة أرغفة يوميًا، مع الحفاظ على وزن الرغيف (90 جرامًا) وسعره (20 قرشًا)، معتبرًا أن التحول نحو السداد المباشر بدلاً من التعويضات يهدف لرفع كفاءة الإدارة المالية للمنظومة، وهو إجراء تنظيمي داخلي لا يؤثر على انتظام صرف الخبز.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر لـ “أقرأ نيوز 24” أن شركة “سمارت” قد فازت بإدارة منظومة السداد الإلكتروني الجديدة، لتتولى عمليات التحصيل والتسويات المالية بين المخابز والمطاحن، وذلك عبر وسائل دفع رقمية تشمل المحافظ الإلكترونية وأجهزة نقاط البيع (POS)، ضمن خطة الوزارة للتحول الرقمي الكامل.
مخاوف السيولة.. أين تكمن الأزمة؟
يرى مسؤولون في قطاع المخابز أن جوهر المشكلة يكمن في كيفية تمويل التشغيل اليومي، حيث كانت المنظومة السابقة توفر الدقيق وفق دورة مالية معتادة، بينما يفرض النظام الجديد توفير سيولة نقدية مسبقة لشراء الدقيق، ثم انتظار تحويل المستحقات من الدولة بعد إثبات الصرف الفعلي.
وحذر المسؤولون من أن أي تأخير في تحويل المستحقات قد يؤدي إلى أزمات سيولة حادة، خاصة للمخابز الصغيرة والمتوسطة ذات رأس المال المحدود، مما قد يضطر أصحابها للاقتراض لتوفير احتياجات الإنتاج اليومية، وهو ما يضيف تكلفة مالية إضافية لم تكن موجودة سابقًا.
مطالب بضمانات قبل التنفيذ الفعلي
طالب مصدر بالشعبة العامة للمخابز بوضع ضمانات واضحة قبل البدء في تطبيق النظام، لضمان عدم تعطل الإنتاج، وتتمثل هذه المطالب في:
- إعلان جدول زمني ملزم وصارم لصرف المستحقات المالية.
- توضيح آلية السداد بشكل تفصيلي ودقيق.
- توفير رصيد تشغيلي يساعد المخابز على الانتقال السلس للنظام الجديد.
- إشراك ممثلي القطاع في مناقشة أي تعديلات تنفيذية قبل تطبيقها.
أزمة تكلفة الإنتاج.. مطالب بزيادة 40%
يرى أصحاب المخابز أن نجاح “الخصم المباشر” مرهون بمعالجة ملف تكلفة الإنتاج ورسوم التشغيل، حيث يرى صاحب مخبز بمحافظة الغربية أن التطبيق دون إعادة احتساب التكاليف سيزيد الأعباء المالية، في ظل ارتفاع أجور العمال وأسعار الطاقة وقطع الغيار.
وفي هذا الصدد، قدمت الشعبة العامة للمخابز دراسة لوزارة التموين تطالب برفع تكلفة تصنيع الخبز البلدي المدعم بنسبة 40%، كما يوضح الجدول التالي المقارنة بين التكلفة الحالية والمطلوبة:
| البند | التكلفة الحالية (لشوال 100 كجم) | التكلفة المقترحة (لشوال 100 كجم) | نسبة الزيادة المطلوبة |
|---|---|---|---|
| تكلفة تصنيع الدقيق | 505 جنيهات | 850 جنيهًا | حوالي 40% |
وأكد خالد صبري، المتحدث الرسمي باسم الشعبة، أن التسعير الحالي لم يعد يعكس الواقع الفعلي، وأن إعادة النظر في التكلفة أصبحت ضرورة لضمان استقرار المنظومة، خاصة مع تزايد الضغوط المالية التي تفرضها منظومة الخصم المباشر.
تحديات السولار والغاز الطبيعي
تتزايد اعتراضات القطاع لتشمل المعايير الفنية للإنتاج، حيث يطالب المسؤولون بمراجعة معدلات استهلاك السولار التي لم تُحدث منذ خفض وزن الرغيف من 110 إلى 90 جرامًا، بالإضافة إلى المطالبة بدراسة فنية جديدة لمعدلات “الردة” تستند إلى التشغيل الفعلي.
أما بالنسبة لمخابز الغاز الطبيعي، فقد أبدى أصحابها تخوفهم من تحول حساباتهم البنكية إلى أرصدة سالبة، لأنهم يدفعون فروق تصنيع للحكومة منذ تحديد سعر الرغيف بـ 20 قرشًا، مما يستوجب إيجاد آلية محاسبية مستقلة تراعي طبيعة عملهم لضمان عدم وقوع مشكلات تشغيلية.
القرار 175 والرسوم الإدارية المتصاعدة
عاد الجدل مرة أخرى حول القرار الوزاري رقم 175 لسنة 2024، الذي يرى أصحاب المخابز أنه يفرض عقوبات مالية قاسية، حيث قد تصل غرامة تجميع “شيكارة دقيق” واحدة إلى ما بين 20 و60 ألف جنيه، مع احتمالية الإحالة للمحاكمة الجنائية، وهو ما قد يؤدي لإغلاق المخابز الصغيرة.
وطالب القطاع بالعودة للعمل بالتوجيه الوزاري رقم 30 لسنة 2017 مؤقتًا، مع حفظ القضايا المرتبطة بالقرار الحالي لحين مراجعته، مؤكدين أن الهدف هو التوازن بين الرقابة واستمرارية الخدمة.
كما أشار أصحاب المخابز إلى ارتفاع الرسوم الإدارية بنسبة تتراوح بين 200% و300%، حيث تتجاوز تكاليف تقنين التراخيص 100 ألف جنيه، تشمل رسوم السجل التجاري، وهيئة سلامة الغذاء، والحماية المدنية، وغيرها من الرسوم التي لا تدخل ضمن تكلفة التصنيع المعتمدة.
أغسطس.. الاختبار الحقيقي لاستقرار الرغيف
يبقى نجاح منظومة الخصم المباشر مرهونًا بقدرة النظام على العمل بكفاءة منذ اليوم الأول، وضمان تدفق المستحقات المالية بالسرعة ذاتها التي يتم بها إنتاج الخبز، فإذا تحقق الاستقرار المالي ستكون المنظومة خطوة كبرى نحو الحوكمة الرقمية، أما إذا استمرت فجوة التكاليف وتأخر الصرف، فإن الجدل الحالي قد يتحول إلى تحدٍ تشغيلي يواجه نحو 30 ألف مخبز في كافة أنحاء الجمهورية.
