واشنطن بين قيادة الحرب والبحث عن مخرج مشرف

واشنطن بين قيادة الحرب والبحث عن مخرج مشرف

منذ انقضاء الحرب العالمية الثانية، ارتبطت الاستراتيجية الأمريكية بالاعتماد على ثلاثة ركائز أساسية لضمان الحسم، وهي التفوق العسكري، والسيادة الاقتصادية، والسيطرة النفسية، حيث كان الخصوم يدركون أن أي مواجهة مباشرة مع واشنطن ستنتهي إما بالخضوع التام لإرادتها أو بتكبد خسائر فادحة تتجاوز حدود القدرة على الاحتمال.

بيد أن النزاعات الأخيرة، بدءاً من أفغانستان والعراق ووصولاً إلى الأزمة الأوكرانية والمواجهة مع إيران، أثبتت أن امتلاك القوة الغاشمة لا يضمن بالضرورة تحقيق انتصار سياسي ملموس، وهنا تبرز المفارقة الجوهرية في العلاقات الدولية، إذ يمكن للدولة أن تكسب كافة معاركها الميدانية لكنها تخسر الحرب في المجمل إذا عجزت عن تحويل الإنجاز العسكري إلى نظام سياسي مستقر ومستدام.

لقد حققت الولايات المتحدة نصراً عسكرياً خاطفاً في بغداد عام 2003، لكنها استنزفت سنوات طويلة في البحث عن مخرج من العراق، كما أسقطت نظام طالبان في شهور معدودة، لتجد نفسها بعد عقدين تخرج من أفغانستان تاركة الساحة لمن بدأوا الصراع، وهذه التجارب المريرة صاغت الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، بحيث لم تعد واشنطن تنظر للحروب كعمليات عسكرية مجردة، بل كمشاريع سياسية طويلة الأمد قد تتحول إلى عبء ثقيل يضغط على الجبهة الداخلية.

ترامب.. التجاذب بين لغة القوة وواقع القيود

في الفضاء السياسي، يطرح الرئيس دونالد ترامب نفسه كقائد لا يتردد في استخدام القوة، مروجاً لقدرته على فرض الإرادة الأمريكية عبر الضغط العسكري والاقتصادي المكثف، إلا أن المشهد داخل أروقة المؤسسات الأمنية والعسكرية يبدو أكثر تعقيداً وحذراً.

تشير التقارير المسربة مؤخراً إلى أن البنتاغون صاغ خططاً واسعة لاستهداف المنشآت النووية والعسكرية والبنية التحتية في إيران، لكن هذه الخطط واجهت اعتراضات من تقديرات المؤسسة العسكرية التي حذرت من التكاليف الباهظة واحتمالية استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، خاصة منظومات باتريوت، فضلاً عن المخاطر التي قد تتهدد القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، مما يؤكد أن القرار الأمريكي لم يعد سياسياً بحتاً، بل بات محكوماً بمعادلة دقيقة توازن بين الكلفة والقدرة على الاستمرار، فالقوة مهما عظمت ليست مورداً غير محدود.

المعضلة الأمريكية.. هل القدرة على الضرب تعني القدرة على الاحتمال؟

لا تكمن المشكلة الحالية لواشنطن في قدرتها التقنية على توجيه ضربات مؤلمة لإيران، فهذا أمر لا يشكك فيه أحد، لكن السؤال الجوهري هو مدى قدرتها على تحمل التبعات الاستراتيجية لهذه الضربات، فإيران تختلف جذرياً عن تجربة العراق في 2003 أو ليبيا في 2011.

إيران دولة تمتلك مساحة جغرافية شاسعة، وبنية صناعية عسكرية متطورة، وشبكة تحالفات إقليمية، وقدرات صاروخية ونفوذاً عابراً للحدود، وهذا يعني أن أي صراع واسع لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل سيمتد ليشمل مضيق هرمز والبحر الأحمر والقواعد الأمريكية في المنطقة، وقد يصل تأثيره إلى العمق الإسرائيلي، وهنا تتغير الحسابات من “القدرة على الهجوم” إلى “القدرة على إدارة التبعات”.

اقتصاديات الحرب.. حين يصبح الاستنزاف سلاحاً

تؤكد دروس التاريخ أن الاقتصاد هو الوقود الحقيقي للحروب الطويلة وليس السلاح وحده، والولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات اقتصادية جسيمة، تتمثل في:

  • دين عام غير مسبوق يضغط على الميزانية الفيدرالية.
  • معدلات تضخم تؤثر على القوة الشرائية والداخل الأمريكي.
  • منافسة تجارية شرسة مع الصين تتطلب موارد ضخمة.
  • استنزاف مالي وعسكري مستمر لدعم الحرب في أوكرانيا.

إن خوض حرب طويلة في الشرق الأوسط يعني إضافة أعباء مالية جديدة على دافعي الضرائب، وضغطاً هائلاً على الصناعات العسكرية التي بدأت تستهلك مخزوناتها بوتيرة أسرع من قدرتها على التعويض، خاصة في مجال الصواريخ الدقيقة والدفاعات الجوية، مما يجعل “الاستنزاف” سلاحاً فعالاً بيد الخصم ضد القوة الأمريكية.

الحصار البحري.. البديل الاستراتيجي للمواجهة الشاملة

عندما تصبح القوة العسكرية المباشرة مكلفة للغاية، تبحث واشنطن عن أدوات ضغط أقل تكلفة، لذا يبرز خيار الحصار البحري وتشديد العقوبات وخنق صادرات النفط الإيرانية كبديل عن الحرب البرية أو الحملات الجوية المفتوحة، والهدف هنا ليس بالضرورة إسقاط النظام، بل إجباره على التفاوض من موقف ضعف.

لكن هذا المسار يواجه تحديات واقعية، حيث أثبتت إيران مرونة عالية في التكيف مع العقوبات، كما أن الشراكة التجارية مع الصين كمستورد رئيسي للنفط تضعف من فاعلية العزل الكامل، مما يجعل الحصار أداة لإبطاء الاقتصاد الإيراني، لكنه قد لا يكون كافياً وحده لتحقيق الأهداف السياسية القصوى.

بين حسابات الجنرالات وطموحات السياسيين

يظهر تباين لافت في الرؤى بين المؤسسة العسكرية والبيت الأبيض، فالجنرالات يركزون على الخرائط، وأعداد الصواريخ، وخطوط الإمداد، ومخاطر الرد، بينما يركز السياسي على استطلاعات الرأي، والانتخابات، وصورة القوة وهيبة الدولة، وهذا التباعد في الحسابات يفسر حالة التردد في الانتقال من مرحلة التهديد إلى التنفيذ.

إن القرار العسكري ليس مجرد ضغطة زر، بل هو عملية حسابية معقدة تبدأ بالتساؤل عن كيفية بدء الحرب، وتنتهي بالسؤال الأكثر صعوبة وهو: كيف ستنتهي هذه الحرب؟

توازن الرعب.. ماذا تريد واشنطن حقاً؟

تتحرك الولايات المتحدة في منطقة رمادية، فهي تسعى لممارسة أقصى درجات الضغط دون الانزلاق إلى حرب خارجة عن السيطرة، وتريد إضعاف إيران دون التسبب في انهيار اقتصادي إقليمي شامل، كما تهدف لحماية إسرائيل دون تحويل قواعدها في المنطقة إلى أهداف يومية، وتسعى لتحقيق تطبيع سعودي إسرائيلي تدرك أن الحرب المفتوحة قد تعرقله بدلاً من تسهيله، ولذلك تعتمد استراتيجية المسارين المتوازيين: إبقاء الوعيد العسكري قائماً، وترك باب التسوية موارباً.

الفلسفة الأمريكية الجديدة.. إدارة الصراع لا إنهاؤه

انتقل التفكير الاستراتيجي الأمريكي من مفهوم “حسم الصراع” إلى مفهوم “إدارة الصراع”، حيث أصبح الهدف هو منع الخصم من الانتصار والحفاظ على ميزان قوى يضمن استمرار النفوذ الأمريكي بدلاً من البحث عن نهاية حاسمة.

ويمكن تلخيص الفرق بين الاستراتيجيتين في الجدول التالي وفقاً لتحليلات “أقرأ نيوز 24”:

وجه المقارنة استراتيجية حسم الصراع (القديمة) استراتيجية إدارة الصراع (الجديدة)
الهدف الأساسي إسقاط النظام أو تحقيق نصر نهائي. منع الخصم من التفوق والحفاظ على التوازن.
التكلفة مرتفعة جداً في البداية (حرب شاملة). موزعة على المدى الطويل (استنزاف تدريجي).
النتيجة المتوقعة تغيير جذري في الخريطة السياسية. احتواء الأزمة ومنع انفجارها الشامل.
المخاطرة مخاطرة بالهزيمة السريعة أو الغرق في الوحل. مخاطرة بتآكل النفوذ تدريجياً بمرور الزمن.

إن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً خطيراً، فالصراعات التي تُدار ولا تُحل تتحول إلى بؤر توتر دائمة تستهلك الموارد وقد تولد أزمات أكبر، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع الإمبراطورية الحفاظ على قيادتها عبر إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، أم أن تعدد الجبهات سيؤدي إلى تآكل نفوذها؟

التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بالضرورة بسبب هزيمة عسكرية، بل عندما تصبح كلفة الحفاظ على مكانتها أعلى من الفوائد التي تجنيها، وهذه هي المعضلة التي تواجه واشنطن اليوم، فهي لا تزال الأقوى عسكرياً، لكنها تواجه خصوماً لا يراهنون على هزيمتها في الميدان، بل على إطالة أمد المواجهة حتى تتحول هذه القوة ذاتها إلى عبء يستنزفها.