مهرجان الجونة السينمائي يسدل الستار على دورته التاسعة بمشاركة نحو 77 فيلمًا

تُسدل الستارة اليوم الجمعة، على الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، التي انطلقت في 15 أكتوبر واستمرت تسعة أيام تحت شعار «9 سنوات من الحكايات». ويمكن القول إنها واحدة من أنجح دورات المهرجان في السنوات الأخيرة. والسبب الأول هو المستوى الفني: اختيارات مدروسة في الأقسام المختلفة، وبرنامج عرض نحو 77 فيلمًا، وقسم صناعة يزداد أهمية عامًا بعد عام.
ومرت على المهرجان دورات اهتزت فيها الصورة، وطغت فيها الضجة على السينما. أما هذه الدورة فبدت أكثر اتزانًا، وأكثر وعيًا بأن قيمة أي مهرجان تُقاس أولًا بما يعرضه على شاشاته، وبما يتركه من أثر في صناعة السينما وجمهورها.
(نافذة على أهم أفلام العام)
أصبح الجونة منصة ثابتة يرى من خلالها الجمهور المصري أهم أفلام العام، بعد أشهر قليلة من تتويجها في كبرى المهرجانات الدولية. وفي مقدمة ما عرضته هذه الدورة فيلم «المضيق» (Fjord) للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، وهو إنتاج مشترك بين رومانيا وفرنسا ودول إسكندنافية، تُوّج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان 2026. ومن برلين جاء «الرسائل الصفراء» (Yellow Letters) للمخرج إلكر تشاتاك، إنتاج ألمانيا وتركيا وفرنسا، والفائز بالدب الذهبي.
كما عرض المهرجان «أرض الآباء» (Fatherland) للمخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي، إنتاج بولندا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، الذي منحه جائزة أفضل مخرج في كان. وعرض أيضًا «فجأة» (All of a Sudden) للمخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي، إنتاج فرنسا واليابان وألمانيا وبلجيكا، الذي تقاسمت بطلتاه فيرجيني إفيرا وتاو أوكاموتو جائزة أفضل ممثلة في كان. وإلى جانبهما «روز» (Rose) للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر، إنتاج النمسا وألمانيا، الذي نالت عنه ساندرا هولر الدب الفضي لأفضل أداء رئيسي في برلين.
وأربعة من هذه الأفلام هي الترشيحات الرسمية لبلدانها لأوسكار أفضل فيلم دولي. معنى ذلك أن المشاهد المصري رأى في الجونة جزءًا مهمًا مما سيتنافس على أهم جوائز الموسم.
(الأفلام المصرية.. مرآة لأزمة أعم)
في المقابل، شاركت مصر بخمسة أفلام في المسابقات الرسمية. في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة جاء «خروج آمن» للمخرج محمد حماد، عن حارس أمن قبطي شاب يحلم بالكتابة وتطارده صدمة مقتل أبيه. وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة عُرض «مفيش راجل بيعيط» للمخرج محمد مصطفى، و«عودة الكابتن كابونجا» للمخرج أمير الشناوي. أما مسابقة الأفلام القصيرة فضمت «ارتباك» للمخرجة مريم عبد الجابر، و«الخبيث» للمخرج جاد شاهين، وكلاهما في عرضه العالمي الأول.
تعكس هذه الأفلام حال السينما المصرية عمومًا، والسينما الفنية خصوصًا. ففيها محاولات جادة ومواهب حقيقية، لكن مستواها العام لا يرقى بعد إلى أهمية الأفلام العالمية التي تجاورها في البرنامج نفسه. ولافت أن كثيرًا منها لم يرَ النور إلا عبر الإنتاج المشترك والدعم الخارجي، فـ«خروج آمن» مثلًا إنتاج مشترك بين مصر وليبيا وتونس وقطر وألمانيا.
وهذا الفارق ليس مسؤولية المخرجين وحدهم، بل نتيجة أزمة كبيرة في آليات الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى أزمات الإنتاج مع النجوم من الممثلين والممثلات. وقد اشتكى من ذلك مؤخرًا عدد من صناع السينما على صفحاتهم الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي. واتفقوا على أن السينما المصرية تحتاج إلى وقفة جادة لفهم المشكلة وحلها قبل أن تتدهور أكثر.
(سيني جونة.. الوجه الأهم للمهرجان)
هنا يأتي دور مهرجانات مثل الجونة، التي تحاول بطريقتها معالجة الأزمة. فمنصة «سيني جونة» تزداد أهمية يومًا بعد يوم. وهي تقدم دعمًا حقيقيًا لصناع السينما الشباب في بداية طريقهم، ولمن هم في منتصفه ويحتاجون التأهيل والدعم لتطوير أنفسهم ومشروعاتهم حتى تخرج للنور.
في هذه الدورة اختار برنامج «سيني جونة للتمويل» 13 مشروعًا في مرحلة التطوير من أكثر من 310 طلبات، إلى جانب ستة أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج. وتتنافس هذه المشروعات على جوائز قيمتها نحو 310 آلاف دولار. وأطلق المهرجان هذا العام برنامج «سيني جونة للمسلسلات» لتطوير المسلسلات العربية، واختيرت فيه ستة مشروعات من أكثر من 125. كما أطلق مبادرة «سيف هاربر مينا» بالشراكة مع مهرجان روتردام، لدعم السينمائيين الذين اضطروا لمغادرة بلدانهم أو يواجهون تهديدات لسلامتهم. وهذا هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل السينما المصرية والعربية.
(ما لا تلتقطه الكاميرات)
للأسف، لا يسلط الإعلام ضوءًا كافيًا على هذا الجانب؛ فالاهتمام ينصب غالبًا على الجانب الاحتفالي، من السجادة الحمراء وإطلالات النجوم والجدل الموسمي حول الأزياء. وهذا جزء مشروع من أي مهرجان، لكنه في الحقيقة نسبة صغيرة من فعالياته. أما العروض والندوات وورش العمل وجلسات تطوير المشروعات، فتمر بهدوء تقريبًا دون أن تلتفت إليها الكاميرات.
ومع إسدال الستار اليوم، تبقى الخلاصة أن الجونة في دورته التاسعة استعاد توازنه وقدم السينما أولًا. وهو بعرض أهم أفلام العالم ودعم المشروعات الجديدة والمبدعين المصريين، يسهم في الارتقاء بالذوق السينمائي، وفي بناء جيل قد يعيد للسينما المصرية مكانتها.




