منوعات

في ذكرى رحيله: أنيس منصور.. سندباد الأدب وفيلسوف الصحافة

بين الفلسفة والأدب والصحافة وأدب الرحلات، امتدت مسيرة الكاتب والأديب أنيس منصور، الذي تحل اليوم /الأربعاء/ 21 أكتوبر ذكرى رحيله، تاركًا بصمة مميزة في الصحافة المصرية والعربية، وميراثًا فكريًا وأدبيًا متنوعًا أغنى به المكتبة العربية على مدار عقود.

كان صحفيًا ذا طابع خاص، وصاحب قلم جريء ورأي حر، جمع في كتاباته بين عمق الفكرة وبساطة الأسلوب، حتى قيل عنه إنه موسوعة معرفية متنقلة.

وُلد أنيس منصور في 18 أغسطس عام 1924 بمحافظة الدقهلية، بمركز شربين، ونشأ في قرية قرب المنصورة، فتأثر بالريف المصري وبحياة الغجر الذين كانوا يزورون القرية من حين إلى آخر. وحفظ القرآن الكريم في طفولته بكتاب القرية، وكانت له حكايات عديدة عن تلك المرحلة، روى بعضها في كتابه “عاشوا في حياتي”. وظهرت علامات نبوغه مبكرًا، إذ كان الأول على مستوى الجمهورية في المرحلة الثانوية.

التحق منصور بكلية الآداب في جامعة القاهرة، واختار قسم الفلسفة برغبته، وحصل على الليسانس عام 1947. ثم عمل مدرسًا للفلسفة الحديثة بكلية الآداب في جامعة عين شمس من عام 1954 حتى عام 1963، قبل أن يتفرغ للكتابة والعمل الصحفي والإبداع الأدبي، ثم يعود إلى التدريس مرة أخرى عام 1975.

وكان عباس محمود العقاد أحد أبرز المؤثرين في تكوينه الفكري؛ إذ كان منصور من رواد صالونه الأسبوعي الذي ضم كوكبة من عمالقة الأدب المصري، من بينهم طه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى. وسجل ذكرياته عن تلك المرحلة في كتابه الشهير “في صالون العقاد كانت لنا أيام”، موثقًا جانبًا من الحياة الفكرية والأدبية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ومن الفلسفة إلى الصحافة، بدأت رحلة منصور في مؤسسة “أخبار اليوم”، حيث تتلمذ على يد علي ومصطفى أمين، ثم انتقل إلى مؤسسة “الأهرام”. وفي عام 1976، تولى رئاسة مجلس إدارة “دار المعارف”، ثم كلفه الرئيس الراحل أنور السادات بتأسيس مجلة “أكتوبر” في 31 أكتوبر من العام نفسه.

وكانت علاقته بالرئيس الراحل محمد أنور السادات وطيدة؛ إذ كان صديقًا مقربًا ومستشارًا له، ورافقه في زيارته إلى القدس عام 1977، وحضر معه لقاءات ومواقف سياسية تاريخية، في مقدمتها مفاوضات كامب ديفيد. وكان بينهما موعد أسبوعي كل يوم ثلاثاء، يتحاوران خلاله لساعات طويلة في أمور متنوعة، ما جعل منصور من أكثر الصحفيين حظًا في إجراء الحوارات واللقاءات الصحفية مع الرئيس السادات.

وامتلك أنيس منصور ثقافة موسوعية ساعده عليها إتقانه لغات عدة، منها الإنجليزية والألمانية والإيطالية والفرنسية والروسية والعبرية واللاتينية، إلى جانب العربية. وأتاح له ذلك الاطلاع على ثقافات وآداب وفلسفات مختلفة، وترجمة عدد كبير من الكتب الفكرية والمسرحيات والأعمال الأدبية الأجنبية إلى العربية، من أبرزها كتاب “الخالدون مائة أعظمهم محمد” لمايكل هارت.

وكان السفر أحد المسارات التي اتسعت فيها تجربته الأدبية، حتى صار من رواد أدب الرحلات، وهو ما عبّرت عنه زوجته بقولها: “أنيس كان يعشق ثلاثة أشياء أنا والسفر والكتابة”. ومن أبرز أعماله في هذا المجال كتاب “حول العالم في 200 يوم”، الصادر عام 1963، الذي حقق نجاحًا كبيرًا في مصر والعالم العربي، وتُرجم إلى أكثر من عشر لغات، وظل يتصدر مبيعات دور النشر والمكتبات لسنوات، ولا يزال القراء يطلبونه. ومن مؤلفاته في هذا المجال أيضًا “أطيب تحياتي من موسكو” و”بلاد الله لخلق الله” و”أعجب الرحلات في التاريخ”.

ولم تقتصر كتاباته على الفلسفة والرحلات، بل امتدت إلى عالم ما وراء الطبيعة، حيث قدم مؤلفات لاقت رواجًا واسعًا، منها “الذين هبطوا من السماء” و”الذين عادوا إلى السماء” و”أرواح وأشباح” و”لعنة الفراعنة”.

كما كتب للمسرح والتلفزيون، وتحولت بعض أعماله إلى أفلام ومسلسلات، منها “من الذي لا يحب فاطمة” و”عريس لفاطمة” و”غاضبون وغاضبات” و”هي وغيرها” و”يعود الماضي يعود”. ومن مسرحياته “حلمك يا شيخ علام” و”جمعية كل واشكر” و”الأحياء المجاورة” و”مين قتل مين؟”.

وعُرف بكتاباته التي تناولت المرأة، حتى منحه عموده الصحفي “مواقف” لقب “عدو المرأة”، على غير حقيقته؛ إذ أوضح أن ما كتبه عن المرأة كان مما يُحكى له، وليس نابعًا من تجارب شخصية. كما اشتهر بالحكم والتأملات التي عبّرت عن نظرته إلى الحياة والناس، ومنحته أسلوبًا خاصًا في مخاطبة القراء، يقوم على المزج بين الفكرة الفلسفية والعبارة المباشرة.

وحصد أنيس منصور خلال مسيرته عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1963، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1981، وجائزة مبارك في الآداب عام 2001، والدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة، وجائزة الفارس الذهبي التي منحها له التلفزيون المصري، وحصل عليها لأربع سنوات متتالية. كما فاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى من مؤسسة السوق العربية في لندن.

وفي سنواته الأخيرة، تفرغ لكتابة مقالاته في “الشرق الأوسط” وعموده الشهير “مواقف” في “الأهرام”، إلى جانب العمل على مذكراته التي كان حريصًا على إنهائها. غير أن حالته الصحية تدهورت إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد وشرخ بين فقرات الظهر، حتى رحل صباح الجمعة 21 أكتوبر 2011، عن عمر ناهز 87 عامًا، أثناء كتابته مذكراته.

ويبقى أنيس منصور علامة بارزة في الأدب والفكر العربي، بما تركه من مؤلفات متنوعة وتجربة صحفية وأدبية ثرية، جعلت اسمه حاضرًا في ذاكرة الثقافة العربية.

زر الذهاب إلى الأعلى