خبير اقتصادي: تعزيز مصادر النقد الأجنبي والطاقة ضرورة لمواجهة الصدمات الخارجية

لم تعد التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري مرتبطة بأزمة واحدة أو ظرف استثنائي عابر، بل أصبحت انعكاسا لسلسلة من الصدمات الخارجية المتلاحقة التي أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي خلال السنوات الأربع الماضية بداية من الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، مرورا بتداعيات الحرب في غزة واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وصولا إلى تداعيات الحرب الإقليمية في عام 2026.
وبينما تمكن الاقتصاد من الحفاظ على قدر من التماسك وتحسين عدد من مؤشراته الكلية، لا تزال الأسواق المحلية تعكس حجم الضغوط التي تحملها المواطنون من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى تراجع القوة الشرائية وزيادة تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، يوضح محمد شفيق، خبير أسواق المال، أن الاقتصاد المصري يواجه ثلاث موجات رئيسية من الصدمات الخارجية، نجح في التعامل مع جانب من تداعياتها عبر أدوات نقدية ومالية وتدفقات من النقد الأجنبي، إلا أن تكلفة هذه الأزمات ظلت حاضرة بقوة في الأسواق، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر في مصادر النمو والتمويل والطاقة وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات دون تحميل المواطن الأعباء الأكبر
الصدمات الخارجية أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي
يرى شفيق ان الحرب الروسية الأوكرانية مثلت نقطة تحول رئيسية للاقتصاد المصري بعدما تسببت في إرتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميا وزادت الضغوط على سوق النقد الأجنبي والتزامن مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الواردات، وقد انعكست هذه التطورات على أسعار السلع الأساسية ودفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة لتتراجع القوى الشرائية للأسر بصورة ملحوظة.
ويضيف أن تداعيات الحرب على غزة واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر شكلت ضغطا إضافيا على موارد النقد الأجنبي مع تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة تحويل مسارات السفن بعيدا عن المنطقة الأمر الذي كشف مدى تأثر الاقتصاد المصري بالتطورات الجيوسياسية وحركة التجارة العالمية.
أما الصدمة الثالثة المرتبطة بالحرب الإقليمية في عام 2026 فقد أعادت اختبار قدرة الاقتصاد على امتصاص الأزمات في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين وتجدد الضغوط على سعر الصرف إلى جانب احتمالات خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.
ويؤكد شفيق في تصريح خاص لـ فيتو أن تتابع هذه الأزمات يوضح أن التحدي لم يعد مقتصرا على التعامل مع كل أزمة منفردة بل أصبح مرتبطا بقدرة الاقتصاد على مواجهة صدمات متكررة قبل التعافي الكامل من آثار الأزمة السابقة.
تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يعني انتهاء معاناة المواطنين
ويشير شفيق إلى أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي وتراجع التضخم مقارنة بمستوياته القياسية السابقة يمثلان مؤشرات مهمة على تحسن قدرة الدولة على إدارة الضغوط الاقتصادية لكنهما لا يعكسان بالضرورة تحسنا مماثلا في مستوى معيشة المواطنين
ويوضح أن انخفاض معدل التضخم يعني تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار وليس عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بارتفاع تكاليف المعيشة رغم تراجع معدلات التضخم المعلنة فبعد موجات متتالية من الزيادات السعرية تحتاج الدخول إلى وقت أطول لاستعادة جزء من قوتها الشرائية خاصة إذا لم تواكب الأجور هذه الزيادات.
ويؤكد أن تقييم الأداء الاقتصادي يجب ألا يقتصر على المؤشرات الإجمالية بل ينبغي أن يشمل تطور الدخل الحقيقي وتكلفة الغذاء والطاقة والنقل ومدى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية باعتبار أن هذه المؤشرات هي الأكثر تعبيرا عن انعكاس السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين.
أسعار الوقود تكشف حجم انتقال الصدمات إلى السوق المحلية
يعتبر خبير أسواق المال أن ملف المحروقات من أكثر الملفات حساسية في قياس أثر الأزمات الخارجية على الاقتصاد المحلي نظرا لارتباط أسعار الوقود بتكاليف النقل والإنتاج والتوزيع وما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على أسعار السلع والخدمات.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميا بالتزامن مع تغيرات سعر الصرف وتكاليف الاستيراد يضع ضغوط إضافية على تكلفة توفير الوقود، وهو ما يجعل قرارات التسعير ذات تأثير واسع يتجاوز محطات البنزين إلى مختلف حلقات النشاط الاقتصادي.
ويضيف أن أي زيادة في أسعار السولار على وجه الخصوص قد تنعكس على تكلفة نقل السلع وتشغيل وسائل النقل والأنشطة الإنتاجية، الأمر الذي قد يدفع الشركات إلى تمرير جانب من الزيادة إلى المستهلك النهائي ومن ثم فإن إدارة ملف الوقود تتطلب تحقيق توازن بين استدامة المالية العامة وتوفير احتياجات السوق والحد من الأعباء الإضافية على المواطن
ويشدد شفيق على أهمية وضوح السياسات الخاصة بتسعير المحروقات وتوقيت مراجعتها بما يساعد الأسر وقطاع الأعمال على التخطيط ويحد من حالة عدم اليقين في ظل استمرار التقلبات الجيوسياسية وتذبذب أسعار الطاقة عالميا.




