اقتصاد

الغذاء في مواجهة الدولار.. هل يتحمل المواطن موجة غلاء جديدة؟.. خبراء: ارتفاع العملة الخضراء يضغط على الأسعار.. والسلع المستوردة الأكثر تأثرًا

أعادت الارتفاعات الأخيرة في سعر الدولار فتح ملف تأثير تحركات سعر الصرف على الأسواق المصرية، وسط تساؤلات حول مدى انعكاسها على أسعار السلع والمنتجات، خاصة في قطاع المواد الغذائية الذي تعتمد العديد من أنشطته الصناعية على استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج من الخارج.

وبين مخاوف ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، ورهانات تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات، تتباين تداعيات ارتفاع الدولار على أسعار الغذاء من منتج إلى آخر، وفقًا لدرجة الاعتماد على المكونات والخامات المستوردة.

وفي ظل تجاوز سعر الدولار حاجز 55 جنيهًا، تبرز تساؤلات حول السلع الأكثر عرضة للزيادة، وحجم الضغوط السعرية المتوقعة خلال الفترة المقبلة، ومدى ارتباطها بتحركات سعر الصرف، واحتمالات حدوث تعويم جديد للجنيه.

الدكتور أحمد غريب، فيتو 

3 فئات للسلع الغذائية.. والدولار يحدد حجم التأثير

قال أحمد غريب، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن سوق المواد الغذائية في مصر ينقسم إلى 3 فئات رئيسية، تختلف فيما بينها من حيث درجة التأثر بارتفاع سعر الدولار.

وأوضح أن الفئة الأولى تضم السلع والمنتجات التي تعتمد بصورة أساسية على مكونات محلية، مثل الحاصلات الزراعية، رغم استخدام بعض المدخلات المستوردة في عمليات الإنتاج، ومن بينها الأسمدة والمخصبات، مع توافر بدائل محلية، بما فيها البدائل العضوية.

وأضاف أن الفئة الثانية تشمل المنتجات التي تعتمد على مدخلات مستوردة، لكنها تخضع للتصنيع داخل مصر، مثل البطاطس نصف المقلية والصلصة، بينما تضم الفئة الثالثة المنتجات المستوردة بالكامل، مثل التونة والسردين المعلب والزيوت والدهون.

وأشار غريب إلى أن استمرار ارتفاع سعر الدولار سيؤثر على المزيج السلعي بنسب متفاوتة، لافتًا إلى أن المنتجات المستوردة بالكامل ستكون الأكثر تأثرًا بتحركات سعر الصرف، وهو ما قد ينعكس على أسعار الزيوت والدهون والتونة والسردين وغيرها من المنتجات.

وأوضح أن الصناعات الغذائية المحلية لن تكون بمنأى عن هذه التأثيرات، نظرًا لاعتماد بعض الأنشطة الصناعية على الخامات ومستلزمات الإنتاج المستوردة، مشيرًا إلى أن بعض صناعات الأجبان تعتمد على استيراد اللبن البودر، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة النقد الأجنبي ينعكس على تكلفة التصنيع المحلي.

الصادرات المصرية قد تستفيد.. وأسواق جديدة أمام المنتجات المحلية

وفي المقابل، لفت عضو شعبة المواد الغذائية إلى أن ارتفاع سعر الدولار قد يحمل بعض الفرص الإيجابية للصادرات المصرية، من خلال تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق الخارجية، بما يفتح المجال أمام زيادة الصادرات والوصول إلى أسواق جديدة.

وأضاف أن تأثر بعض الأسواق الخارجية بالاضطرابات المحلية أو خروجها من دائرة التعامل التجاري قد يتيح فرصًا أمام المنتجات المصرية لتعزيز حضورها في أسواق بديلة، والاستفادة من الطلب الخارجي.

موجة ارتفاع التكاليف العالمية.. وترشيد الاستهلاك ضرورة

وأكد غريب أن الضغوط التي تشهدها الأسواق حاليًا لا ترتبط بسعر الدولار وحده، وإنما تتزامن مع موجة ارتفاع في تكاليف الإنتاج عالميًا، نتيجة الحروب والتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار المحروقات، إلى جانب تأثر حركة تصدير بعض المنتجات في الأسواق المحيطة.

وأوضح أن هذه التطورات تنعكس على السوق المصرية، بالتوازي مع وجود عوامل محلية تؤثر في مستويات الأسعار، مشددًا على أهمية ترشيد المواطنين للاستهلاك، وتوجيه الإنفاق نحو الاحتياجات الأساسية، والبحث عن بدائل مناسبة للسلع والمنتجات مرتفعة التكلفة.

حازم، فيتو 

حازم المنوفي: الدولار ليس العامل الوحيد في تحديد أسعار السلع

من جانبه، أكد حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن سعر الصرف يمثل أحد العوامل المؤثرة في تكلفة الإنتاج، خاصة بالقطاعات التي تعتمد على استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج، لكنه ليس العامل الوحيد المحدد للأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.

وأوضح أن تقييم تأثير تحركات سعر الصرف يتطلب قراءة اقتصادية متكاملة، تأخذ في الاعتبار تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل والطاقة، إلى جانب حجم المعروض ومستويات الطلب والمنافسة داخل السوق المحلية.

وأشار المنوفي إلى أن استقرار الأسواق وتوافر السلع بكميات مناسبة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على مدخلات الإنتاج المستوردة كلما أمكن، تمثل محاور أساسية للحد من الضغوط السعرية وضمان استمرار توافر المنتجات.

وشدد على أهمية ضبط الأسواق وتعزيز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، والتصدي لأي زيادات غير مبررة، بما يسهم في حماية المستهلك والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.

هل يحدث تعويم جديد للجنيه؟

وفيما يتعلق بتوقعات سعر الدولار، أكد المنوفي صعوبة الجزم باتجاه محدد لسعر الصرف أو اعتبار حدوث تعويم جديد أمرًا مؤكدًا دون وجود قرارات أو مؤشرات رسمية تدعم ذلك.

ولفت إلى أن تحركات سعر الصرف ترتبط بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية، وفي مقدمتها حركة العرض والطلب على النقد الأجنبي.

وأضاف أن الأولوية خلال المرحلة الحالية تتمثل في تعزيز استقرار بيئة الإنتاج والتجارة، وزيادة المعروض من السلع، وضمان انعكاس أي تحسن في تكاليف الاستيراد والإنتاج على المستهلك النهائي.

الدكتور كرم سلام، فيتو 

خبير اقتصادي: تجاوز الدولار 55 جنيهًا يفرض تحديات جديدة على الأسواق

من جانبه، أكد الدكتور كرم سلام عبد الرؤوف، الخبير الاقتصادي وعميد كلية العلوم الإدارية بجامعة باشن العالمية، أن تجاوز سعر الدولار حاجز 55 جنيهًا خلال أكتوبر 2026 يفرض تحديات جديدة على الأسواق المصرية، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الاستيراد والإنتاج وأسعار السلع الغذائية الأساسية.

وأوضح أن ارتفاع الدولار لا يعني بالضرورة حدوث تعويم رسمي جديد، مشيرًا إلى أن مصر تعمل بنظام سعر الصرف المرن منذ مارس 2023، بما يسمح بتحرك قيمة الجنيه وفقًا لآليات العرض والطلب وظروف السوق.

وأضاف أن تحركات سعر الدولار تتأثر بعدة عوامل، من بينها تدفقات النقد الأجنبي، واحتياجات الاستيراد، وحركة الاستثمار الأجنبي، والتطورات الإقليمية، وتكاليف الطاقة والشحن، مؤكدًا أن تقييم حركة سعر الصرف يتطلب النظر إلى هذه العوامل مجتمعة.

وأشار إلى أن ارتفاع الدولار ينعكس على تكاليف الإنتاج والاستيراد، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المواد الخام المستوردة، مثل الأعلاف والزيوت النباتية ومدخلات الصناعات الغذائية ومواد التعبئة والتغليف، فضلًا عن تكاليف النقل والطاقة والتمويل.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة هذه المدخلات قد يدفع الشركات والمصانع إلى تحمل جزء من الأعباء على حساب هوامش أرباحها، أو تمرير جزء منها إلى المستهلك في صورة زيادات سعرية، وفقًا لطبيعة النشاط وحجم المنافسة والمخزون المتاح.

الدولار، فيتو 

ليست كل السلع بنفس الدرجة.. وخريطة التأثر تختلف من منتج لآخر

وشدد الخبير الاقتصادي على أن تأثير ارتفاع الدولار لا ينتقل إلى جميع السلع بالنسبة نفسها، إذ تختلف درجة الاعتماد على الاستيراد من قطاع إلى آخر، كما تتأثر الأسعار بتوقيت شراء الخامات وتكاليف الشحن والتوزيع.

وأضاف أن أسعار الغذاء تخضع كذلك لعوامل أخرى، من بينها المواسم الزراعية، وحجم المعروض، وتكاليف التخزين والفاقد، وحلقات التداول التجاري، وهو ما يستدعي عدم إرجاع جميع الزيادات السعرية إلى تحركات الدولار وحدها.

التضخم وأسعار الغذاء.. ماذا تقول الأرقام؟

واستشهد الدكتور كرم سلام عبد الرؤوف ببيانات سبتمبر 2026 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي أظهرت ارتفاع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.8%، مقابل 12.7% خلال أغسطس، فيما ارتفعت أسعار مجموعة الطعام والمشروبات بنسبة 3.2% خلال شهر واحد.

وأوضح أن أسعار الخضراوات سجلت زيادة شهرية بلغت 15.1%، والفاكهة 2.6%، واللحوم والدواجن 2.5%، والأسماك والمأكولات البحرية 1.2%، بينما ارتفعت أسعار الطعام والمشروبات بنسبة 7.9% على أساس سنوي.

وأضاف أن بيانات البنك المركزي المصري أظهرت تراجع معدل التضخم الحضري السنوي إلى 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، في حين ارتفع معدل التضخم الحضري الشهري إلى 1.3% مقارنة بـ0.1% خلال الشهر السابق.

وأكد أن تراجع معدل التضخم السنوي لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بارتفاع تكاليف المعيشة رغم تحسن بعض المؤشرات السنوية.

هل ترتفع أسعار الغذاء خلال الفترة المقبلة؟

وتوقع الخبير الاقتصادي أن استمرار ارتفاع الدولار قد يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار الغذاء خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وفقًا لدورات الإنتاج والتوريد وتكلفة الاستيراد ومستلزمات الإنتاج.

وأشار إلى أن حجم الزيادات وتوقيتها سيتوقفان على مدى استمرار تحركات سعر الصرف، وتوافر النقد الأجنبي، وأسعار الطاقة والشحن، وحجم المعروض ومستويات المنافسة داخل الأسواق.

وأوضح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحقيق توازن بين مرونة سعر الصرف والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من خلال توفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد المواد الخام والأعلاف والزيوت ومدخلات الإنتاج الأساسية، وتعزيز الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية المحلية، وتطوير منظومة التخزين والنقل للحد من الفاقد.

واختتم بالتأكيد على أهمية تكثيف الرقابة على سلاسل الإمداد وهوامش التداول، ومواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار وفقًا للقانون، إلى جانب مراجعة كفاية برامج الحماية الاجتماعية والدعم النقدي والعيني للفئات الأكثر احتياجًا، بما يتناسب مع تطورات تكاليف الغذاء والاحتياجات الأساسية للأسر المصرية.

زر الذهاب إلى الأعلى