لطالما اعتُبرت البرازيل، لسنوات طويلة، رمزاً للنخبة في كرة القدم الهجومية. فهي تضمّ لاعبين فنانين على أرض الملعب، قادرين على إحداث الفارق في لحظات فردية. إلا أن تاريخ كأس العالم الحديث يُظهر أن التألق لا يُفضي دائماً إلى المجد. فمنذ فوزها عام 2002، شاركت البرازيل مراراً وتكراراً بفرقٍ تتمتع بمهارات فنية عالية في كأس العالم، لكنها خسرت أمام خصوم أكثر تنظيماً وانضباطاً.
إن وصول المدرب كارلو أنشيلوتي يخلق “ثورة”. فمع وجود استراتيجي متمرس قاد العديد من الفرق الكبيرة في الدوريات الأوروبية الكبرى، تتبنى البرازيل أسلوب لعب متين وماكر مثل كرة القدم الإيطالية؛ ومنهجي ومنضبط مثل كرة القدم الألمانية؛ وتقني وعفوي إلى حد ما مثل كرة القدم الإسبانية.
تُعدّ مباراة المغرب مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم سيطرة المنتخب الأفريقي على الكرة لفترة أطول، إلا أن عدد الفرص الخطيرة التي صنعها لم يكن أعلى بكثير من فرص البرازيل. في المقابل، بدت كل هجمة من هجمات السيليساو هادفة ومحسوبة بدقة. لم تشنّ البرازيل هجمات كثيرة، لكن الفرص الواضحة التي صنعتها كانت حقيقية للغاية.
من اللافت للنظر أن كارلو أنشيلوتي لم يرفع وتيرة اللعب. لعب المنتخب البرازيلي بوتيرة أبطأ وأكثر صبرًا. نفّذوا تمريراتهم بحذر، بدلًا من السرعة والبراعة المعهودة في الماضي. هذا هو نوع كرة القدم الذي يحمل بصمة الاستراتيجي الذي فاز بدوري أبطال أوروبا خمس مرات. في فلسفة كارلو أنشيلوتي، يُعدّ التحكم في المخاطرة بنفس أهمية خلق الفرص.
بالنظر إلى التشكيلة الحالية، يُعدّ هذا خيارًا منطقيًا أيضًا. لم يعد لدى البرازيل جيلٌ من اللاعبين الموهوبين بنفس القدر في كل مركز كما كان الحال في أوج عطائهم. لا يتمتع لاعبو الأجنحة بمستوىً استثنائي. يمتلك خط الوسط خبرةً كبيرة، لكن ما ينقصه ويُعدّ نقطة ضعفه هو الحركة والقدرة على الفوز بالالتحامات الفردية. في هذا السياق، يُعدّ بناء منظومة متماسكة ومتوازنة بين الهجوم والدفاع الخيار الأمثل.
كان الانطباع الأبرز في خط الدفاع. فقد لعب خط دفاع البرازيل الرباعي أمام المغرب بهدوءٍ مذهل. لم يذعروا تحت الضغط، ولم يندفعوا بسهولة في تدخلات غير مدروسة. كل حركةٍ أظهر يقظتهم وخبرتهم.
قال المدرب الأسطوري أليكس فيرغسون ذات مرة: “الهجوم يُكسبك المباريات، لكن الدفاع يُكسبك البطولات”. على مر تاريخ كأس العالم، كانت معظم الفرق الفائزة هي تلك التي استقبلت أقل عدد من الأهداف في البطولة. قد تُحسم المباراة بلحظات تألق هجومي، لكن الصلابة الدفاعية هي التي تُحدد مسار البطولة بأكمله.
قد يتذكر العديد من المشجعين منتخب البرازيل الذي كان يتميز بالحماس والعفوية والعاطفة الجياشة. لكن ما تحتاجه البرازيل بشدة الآن ليس البريق، بل الواقعية اللازمة للمنافسة على لقب كأس العالم 2026.
فيديو لهدف فينيسيوس في مباراة البرازيل والمغرب التي انتهت بالتعادل 1-1. المصدر: VTV Sports
المصدر:
