أخبار الرياضة

مونديال 2026.. المنتخب الوطني سفيراً لطموحات السياحة المغربية بأمريكا

انطلقت نهائيات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، في دورة تعرف مشاركة المغرب لأول مرة بوصفه “المُستضيف المقبل”، ما يعني أن “أسود الأطلس” لن يحملوا هذه المرة آمال المغاربة في تحقيق إنجاز رياضي جديد فحسب، بل يُمكن اعتبار المنتخب الوطني سفيرَ المغرب إلى الأراضي الأمريكية الشمالية، لتعزيز صورته الدولية، ورفع مستوى “قوته الناعمة”، ولا سيما الترويج لقطاعه السياحي.

أجرت جريدة “مدار 21” حواراً مع الخبير في القطاع السياحي، الزبير بوحوت، الذي أكد أن المنتخب الوطني لم يعد محض فريق رياضي بل “علامة وطنية” ورمزاً للمملكة، مشيراً إلى أن تنظيم المونديال بالولايات المتحدة الأمريكية قد يكون فرصة مواتية لرفع حصة المغرب من هذه السوق السياحية، المعروفة بكونها نوعية لا كمية فحسب. متطرقاً أيضاً لانعكاسات مشاركة المغرب في هذا المونديال على تحضيرات المملكة لاستضافة نسخة 2030 إلى جانب البرتغال وإسبانيا.

في ما يلي نص الحوار كاملاً:

لا يمكن فهم العلاقة التي أصبحت تربط اليوم بين المنتخب الوطني المغربي والقطاع السياحي دون العودة إلى التحول العميق الذي أحدثه مونديال قطر 2022 في صورة المغرب على المستوى الدولي. فقد شكل الإنجاز التاريخي لأسود الأطلس، ببلوغهم نصف نهائي كأس العالم لأول مرة في تاريخ إفريقيا والعالم العربي، نقطة تحول في مسار القوة الناعمة المغربية، حيث انتقل المنتخب الوطني من مجرد فريق رياضي إلى ما يشبه “علامة وطنية” قادرة على التأثير في صورة المملكة وجاذبيتها السياحية والاستثمارية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الرياضة أصبحت أحد أقوى أدوات التسويق الترابي في العالم. فبلدان مثل إسبانيا بعد مونديال 1982 والمكسيك سنة 1986 و كوريا الجنوبية بعد مونديال 2002، استفادت من الإشعاع الرياضي لتعزيز مكانتها السياحية وجذب ملايين الزوار الجدد. والمغرب لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما كان من أكثر الدول التي استفادت من هذا الأثر خلال السنوات الأخيرة.

فخلال أسابيع قليلة فقط من مونديال قطر، تحول المغرب إلى موضوع اهتمام عالمي. ولم يعد الحديث مقتصراً على نتائج المباريات، بل امتد إلى المدن المغربية والثقافة المغربية والمطبخ المغربي والعادات الاجتماعية والتاريخ والتراث. وتشير المعطيات الرقمية إلى أن حجم البحث عن المغرب على المنصات الرقمية عرف قفزة غير مسبوقة، حيث ارتفع من حوالي 500 ألف عملية بحث سنوياً إلى ما يقارب 13 مليون عملية خلال شهر واحد فقط، أي ما يعادل أكثر من 26 سنة من البحث وفق الوتيرة العادية. وهذا الرقم يعكس حجم الفضول الذي أثاره المغرب لدى مئات الملايين من الأشخاص الذين لم تكن لديهم معرفة كافية بالمملكة قبل المونديال.

يفسر ذلك بما يعرف في التسويق السياحي بـ”أثر الفضول الإيجابي”. فحين ينجح بلد ما في تحقيق إنجاز عالمي غير متوقع، تنشأ لدى الجمهور الدولي رغبة تلقائية في اكتشاف هذا البلد والتعرف على أسرار نجاحه ومقوماته الثقافية والحضارية. وقد استفاد المغرب من هذه الدينامية بشكل استثنائي لأن النجاح الرياضي جاء مصحوباً بصورة إنسانية إيجابية جداً نقلها اللاعبون والجماهير المغربية إلى العالم، من خلال قيم التضامن والاعتزاز بالهوية والانفتاح والتسامح واحترام الأسرة.

لكن إذا كان مونديال قطر قد ساهم في التعريف بالمغرب، فإن مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك 2026 قد يساهم في ترسيخ مكانته الدولية. فالمملكة لم تعد اليوم الوجهة التي تبحث عن الاعتراف الدولي، بل أصبحت واحدة من أسرع الوجهات السياحية نمواً في العالم. فقد انتقل المغرب من المرتبة 34 عالمياً سنة 2019 إلى المرتبة 22 سنة 2025، واستقبل ما يقارب 20 مليون سائح خلال سنة 2025، مقابل حوالي 13 مليون سائح فقط قبل سنوات قليلة. كما أن وتيرة نمو السياحة المغربية أصبحت تفوق بأكثر من ثلاث مرات المتوسط العالمي.

ومن هذا المنطلق، فإن تأثير مونديال 2026 سيكون مختلفاً عن تأثير مونديال 2022. ففي قطر كان العالم يكتشف المغرب، أما في الولايات المتحدة فالعالم سيختبر مدى قدرة المغرب على تأكيد مكانته كقوة كروية وسياحية صاعدة. وكلما نجح المنتخب الوطني في الذهاب بعيداً في المنافسة، ارتفعت مستويات الظهور الإعلامي للمغرب، وازدادت فرص تعزيز صورته لدى الأسواق السياحية الكبرى، وعلى رأسها السوق الأمريكية.

كما أن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في أن مونديال 2026 سيكون أول ظهور عالمي كبير للمغرب بعد فوزه بشرف تنظيم كأس العالم 2030. وبالتالي فإن كل نجاح يحققه المنتخب الوطني لن ينعكس فقط على صورة كرة القدم المغربية، بل سيعزز أيضاً ثقة الرأي العام الدولي في قدرة المملكة على تنظيم أكبر تظاهرة رياضية في العالم.

ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين أداء المنتخب الوطني والسياحة لم تعد علاقة ظرفية مرتبطة بنتائج مباريات معينة، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة لبناء صورة المغرب عالمياً. فكل انتصار رياضي يساهم في رفع مستوى الوعي بالوجهة المغربية، وكل تحسن في صورة المملكة ينعكس بدوره على جاذبيتها السياحية والاستثمارية. ولهذا السبب يمكن اعتبار مشاركة أسود الأطلس في مونديال 2026 استثماراً استراتيجياً في الرأسمال اللامادي للمغرب، وفي مكانته السياحية خلال العقد المقبل.

تكتسي مشاركة المغرب في مونديال 2026 أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة السوق الأمريكية التي تعتبر اليوم واحدة من أهم الأسواق السياحية وأكثرها قيمة على المستوى العالمي.

فالسوق الأمريكية لا تتميز فقط بضخامة عدد المسافرين، بل أيضاً بارتفاع متوسط الإنفاق ومدة الإقامة. فالسائح الأمريكي ينفق في المتوسط أكثر من السائح الأوروبي، كما يميل إلى البحث عن تجارب سياحية راقية وأصيلة تجمع بين الثقافة والترفيه والخدمات عالية الجودة. ولهذا السبب أصبحت الولايات المتحدة تحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات الاستراتيجية السياحية المغربية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في حضور المغرب داخل هذه السوق الاستراتيجية. فعدد السياح الأمريكيين الوافدين على المملكة عرف نمواً متواصلاً بفضل تحسن صورة المغرب دولياً، وتعزيز الربط الجوي، والنجاح الذي حققته المملكة في مجالات السياحة والثقافة والرياضة. وتشير المعطيات المهنية إلى أن عدد السياح القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية( بما فيهم مغاربة العالم) انتقل من حوالي 376 ألف سائح سنة 2023 إلى حوالي 402 ألف سائح سنة 2024، مع استمرار النمو ليصل حوالي 450  خلال سنة 2025، مما يجعل الولايات المتحدة من أسرع الأسواق نمواً بالنسبة للوجهة المغربية.

كما أن المؤشرات المتوفرة داخل القطاع تؤكد أن المغرب لم يعد يستهدف فقط زيادة عدد الوافدين الأمريكيين، بل يسعى إلى استقطاب شرائح ذات قيمة مضافة مرتفعة. وقد برز هذا التوجه بوضوح خلال الزيارة التي قامت بها منظمة USTOA، التي تضم أكبر منظمي الرحلات السياحية الأمريكيين، إلى المغرب لأول مرة.

وقد جاءت هذه الزيارة في ظرفية دولية تتسم بمنافسة قوية بين الوجهات السياحية العالمية، إلا أن اختيار المغرب يعكس الثقة المتزايدة التي أصبحت تحظى بها المملكة لدى كبار الفاعلين الأمريكيين. كما يعكس تحولاً في تموقع المغرب داخل السوق الأمريكية، حيث لم يعد يُقدَّم كوجهة ثقافية فقط، بل كوجهة فاخرة قادرة على استقطاب السياحة الراقية وسياحة الأعمال والمؤتمرات والرحلات الخاصة والتجارب الحصرية.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات مهنيي القطاع إلى أن السائح الأمريكي من فئة “Premium” أو “Deluxe” يمكن أن يحقق عائدات تصل إلى سبعة أضعاف ما يحققه السائح الأوروبي التقليدي. ولذلك فإن الرهان لم يعد يقتصر على رفع عدد السياح، بل أصبح يرتكز على رفع متوسط الإنفاق وتحسين المردودية الاقتصادية لكل زائر.

ويعتبر النقل الجوي أحد أهم المفاتيح لتحقيق هذا الهدف. فقد عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الربط المباشر مع أمريكا الشمالية. فإلى جانب الرحلات المنتظمة التي تربط الدار البيضاء بكل من نيويورك وواشنطن وميامي ومونتريال، تم إطلاق خطوط جديدة مباشرة نحو السوق الأمريكية، أبرزها الخط المباشر بين نيويورك ومراكش، مع خطط لتوسيع الشبكة نحو مدن استراتيجية أخرى.

وتتحدث الرؤى المرتبطة بأفق 2030 عن إمكانية تعزيز الربط مع مدن مثل بوسطن وشيكاغو ولوس أنجلوس، إلى جانب توسيع الربط مع مونتريال وتورونتو، وربما فتح آفاق جديدة نحو أسواق أخرى في أمريكا الشمالية. كما تشير بعض التقديرات إلى إمكانية بلوغ قدرة نقل يومية تقارب 2000 مقعد بين المغرب وأمريكا الشمالية خلال السنوات المقبلة، وهو ما من شأنه أن يحدث تحولاً جذرياً في ولوج السياح الأمريكيين والكنديين إلى الوجهة المغربية.

ويضاف إلى ذلك عامل استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في التوسع الذي تعرفه الخطوط الملكية المغربية، والتي تراهن على تحويل الدار البيضاء إلى محور جوي رئيسي يربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للسفر والسياحة خلال العقد المقبل.

ومن جهة أخرى، يمنح مونديال 2026 المغرب فرصة استثنائية للوصول مباشرة إلى ملايين الأمريكيين في قلب أكبر حدث رياضي عالمي. فكل مباراة للمنتخب المغربي ستكون بمثابة حملة ترويجية مفتوحة للمملكة أمام جمهور واسع يتابع كرة القدم بشغف متزايد داخل الولايات المتحدة.

ويمكن للمغرب استثمار هذا الزخم من خلال حملات ترويجية موازية تستهدف المدن الأمريكية المستضيفة للمباريات، مع التركيز على عناصر الجذب التي تميز المملكة عن الوجهات المنافسة، مثل الغنى الثقافي، والتنوع الطبيعي، والأمن والاستقرار، وجودة البنية الفندقية، والمطبخ المغربي، والقرب من أوروبا، فضلاً عن تجربة السفر المتكاملة التي يوفرها المغرب.

كما يمكن الاستفادة من الحضور الكبير للجاليات المغربية والإفريقية في الولايات المتحدة وكندا لتحويلها إلى سفراء للوجهة المغربية، كما حدث خلال مونديال قطر 2022 حين ساهمت الجماهير المغربية بشكل كبير في تحسين صورة المملكة وإبراز قيمها الحضارية.

وفي الواقع، فإن الرهان المغربي على السوق الأمريكية لا يتوقف عند مونديال 2026، بل يندرج ضمن رؤية طويلة المدى تمتد إلى ما بعد كأس العالم 2030. فهناك طموح واضح يتمثل في مضاعفة عدد السياح الأمريكيين خلال العقد المقبل، والانتقال من حوالي 450 ألف سائح سنوياً حالياً إلى ما يقارب مليون سائح أمريكي في أفق 2035. وإذا تحقق هذا الهدف، فإن الولايات المتحدة قد تصبح واحدة من أهم الأسواق المصدرة للسياح نحو المغرب وأكثرها مساهمة في العائدات السياحية الوطنية.

في تقديري، فإن النظر إلى مونديال 2026 باعتباره مجرد مشاركة رياضية سيكون اختزالاً لرهان أكبر بكثير. فهذه البطولة تمثل بالنسبة للمغرب أول محطة عالمية فعلية في الطريق نحو كأس العالم 2030، الذي سيشكل دون شك أكبر حدث دولي عرفته المملكة منذ عقود.

ففي العادة، تبدأ الدول المنظمة لكأس العالم في جني المكاسب السياحية قبل سنوات من موعد البطولة، وليس فقط أثناء تنظيمها. إذ يكفي أن يتم الإعلان عن البلد المضيف حتى تبدأ وسائل الإعلام العالمية وشركات السياحة والمستثمرون والمهنيون في توجيه اهتمامهم نحو الوجهة المعنية. وهذا ما بدأ يحدث بالفعل بالنسبة للمغرب منذ الإعلان عن استضافة مونديال 2030.

ومن هذا المنطلق، فإن مونديال الولايات المتحدة 2026 يمثل منصة استثنائية لتسويق المغرب قبل أربع سنوات من موعد الحدث العالمي. فالملايين الذين سيتابعون مباريات المنتخب المغربي لن يروا فقط منتخباً يسعى إلى تحقيق نتائج إيجابية، بل سيرون أيضاً بلداً يستعد لاستقبال العالم سنة 2030.

وهنا تبرز أهمية التراكم الذي حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تقدم نفسها فقط كوجهة سياحية جميلة أو كبلد يمتلك مؤهلات طبيعية وثقافية مهمة، بل كدولة استطاعت أن تبني نموذجاً متكاملاً يجمع بين الاستقرار السياسي، والبنيات التحتية الحديثة، والنمو السياحي المتسارع، والقدرة على تنظيم الأحداث الدولية الكبرى.

كما أن مونديال 2026 سيسمح للمغرب بإظهار حجم التحولات التي تعرفها المملكة استعداداً لمونديال 2030. فخلال السنوات المقبلة ستشهد البلاد استثمارات ضخمة في المطارات والطرق والقطارات عالية السرعة والنقل الحضري والفنادق والملاعب والمناطق الترفيهية. وهذه المشاريع لن تخدم كأس العالم فقط، بل ستساهم في رفع تنافسية الوجهة المغربية لعقود طويلة بعد انتهاء البطولة.

ومن الناحية السياحية، يمكن أن يشكل مونديال 2026 بداية دورة نمو جديدة للسياحة المغربية. فالتجارب الدولية تبين أن الدول التي تنجح في استثمار الأحداث الرياضية الكبرى تعرف عادة ارتفاعاً في عدد السياح وتحسناً في صورتها الدولية وزيادة في الاستثمارات المرتبطة بالسياحة والخدمات.

كما أن المغرب سيستفيد من عامل إضافي يتمثل في تزامن الدينامية الرياضية مع طموح وطني لبلوغ مستويات غير مسبوقة من النشاط السياحي خلال أفق 2030. فبعد الاقتراب من سقف 20 مليون سائح سنة 2025، أصبح الحديث يدور عن مرحلة جديدة تهدف إلى استقطاب أسواق أكثر مردودية، ورفع متوسط الإنفاق، وتحسين جودة التجربة السياحية، وجعل المغرب ضمن كبار الوجهات العالمية.

وبالتالي فإن مونديال 2026 يجب أن يُنظر إليه باعتباره حلقة أساسية في مسلسل يمتد من إنجاز قطر 2022 إلى تنظيم مونديال 2030. فإذا كان مونديال قطر قد منح المغرب شهرة عالمية غير مسبوقة، فإن مونديال الولايات المتحدة يمكن أن يحول هذه الشهرة إلى ثقة دولية دائمة، وأن يجعل من المغرب أحد أكثر الأسماء حضوراً على الخريطة السياحية العالمية خلال النصف الثاني من هذا العقد.

وفي نهاية المطاف، فإن أكبر مكسب يمكن أن يحققه المغرب من مونديال 2026 لا يتمثل فقط في عدد المباريات التي سيفوز بها المنتخب، بل في قدرته على تحويل الزخم الرياضي والإعلامي إلى رافعة اقتصادية وسياحية طويلة الأمد، تجعل من كأس العالم 2030 تتويجاً لمسار متكامل من التنمية والإشعاع الدولي بدأ فعلياً في قطر سنة 2022 ويواصل ترسخه اليوم على الساحة العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى