يبدو تراجع أسعار الذهب رغم التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط مفارقة تتجاوز التقلبات السوقية العابرة، حيث تعكس تحولاً عميقاً في كيفية استجابة الأسواق العالمية للصدمات الجيوسياسية، فبدلاً من التوجه التلقائي نحو المعدن النفيس كملاذ آمن، قرأت الأسواق التوترات بوصفها صدمة تضخمية أعادت تشكيل توقعات السياسة النقدية العالمية.
آلية انتقال الصدمة: من الخوف إلى التضخم
دفعت الحرب الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، مما رفع توقعات التضخم على مستوى العالم، ونتيجة لذلك، تراجعت الرهانات على قرب خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وصعدت عوائد السندات الحكومية وقوة الدولار، وهي جميعاً عوامل تشكل ضغوطاً هبوطية قوية على الذهب في الأجل القصير، حيث يزيد ارتفاع العوائد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر دخلاً.
تأثير السياسة النقدية وتوقعات السوق
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في منتصف مارس 2026 على أسعار الفائدة عند نطاق 3.50%-3.75%، مشيراً في توقعاته إلى استمرار التضخم فوق المستهدف وسط بيئة من عدم اليقين، وارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من حوالي 4.05% مطلع مارس إلى 4.39% بحلول 20 من الشهر ذاته، مما عزز ضغوط البيع على الذهب.
أظهرت بيانات اقتصادية حديثة انتقال الضغوط التضخمية، حيث سجلت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات الأمريكي في مارس أسرع وتيرة ارتفاع في تكاليف المدخلات منذ عشرة أشهر، بينما قفزت أسعار البيع بأقوى معدل في أكثر من ثلاث سنوات ونصف، مما يؤكد أن صدمة الطاقة بدأت تنتقل من مرحلة الإنتاج إلى المستهلك النهائي.
خسر الذهب أكثر من 21% من قيمته منذ بلوغه ذروته التاريخية عند 5594.82 دولاراً للأوقية في 29 يناير 2026، كما تراجع بنحو 17% منذ بداية التصعيد العسكري في 28 فبراير، مما يبرز تحول دوره من ملاذ آمن مباشر إلى أداة مالية حساسة للغاية لتغيرات أسعار الفائدة وقوة الدولار.








