من الميدان إلى التريند كواليس ماكينة التضليل الإخوانية في صناعة الأزمات الوهمية وتزييف الوعي بالذكاء الاصطناعي

من الميدان إلى التريند كواليس ماكينة التضليل الإخوانية في صناعة الأزمات الوهمية وتزييف الوعي بالذكاء الاصطناعي

لم تعد مواجهة الدولة المصرية مع جماعة الإخوان الإرهابية محصورة في النطاق الميداني أو محاولات إثارة القلاقل على الأرض، بل انتقلت بشكل مكثف إلى الفضاء السيبراني، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ميدان رئيسي لبث روايات مفبركة وتزييف الواقع، مع إعادة تدوير أحداث قديمة لتقديمها كوقائع حالية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مضلل يستهدف نشر الفوضى ويصعب على المستخدم العادي تمييز زيفه.

وتكشف طبيعة المحتوى المتداول عبر الحسابات المرتبطة بالجماعة عن تحول جذري في مفهوم “العملية الدعائية”، حيث انتقلت من مجرد نشر شائعة بسيطة إلى تصميم أزمة رقمية متكاملة الأركان، تبدأ بمعلومة كاذبة يتم تعزيزها بصور أو مقاطع فيديو مفبركة، ثم تُنشر عبر شبكات من الحسابات المنسقة لتدفع بها إلى دوائر أوسع من المستخدمين، مما يمنحها في النهاية مظهر القضية العامة رغم افتقارها لأي أساس حقيقي.

الذكاء الاصطناعي: تحويل الشائعات إلى واقع افتراضي مضلل

يتمثل الأخطر في هذه المواجهة في الاعتماد على أدوات التزييف العميق (Deepfake) لصناعة مواد صوتية ومرئية تبدو واقعية تماماً، ومن أبرز هذه الأنماط فبركة مقاطع تزعم وقوع حوادث خطف للأطفال والفتيات في مناطق مختلفة، أو تزوير تسجيلات صوتية منسوبة لمسؤولين وأمنيين لنشر تصريحات كاذبة، وتكمن الخطورة هنا في أن المتلقي لم يعد يواجه نصاً مكتوباً يمكن التشكيك فيه، بل يرى ويسمع “دليلاً” مصطنعاً يزيد من سرعة انتشار التضليل، خاصة عند ربطه بمخاوف مجتمعية قائمة، ليتحول الذكاء الاصطناعي بذلك من أداة تقنية إلى ركيزة في الدعاية الرقمية القائمة على تزييف الحقائق وتغيير سياقات الأحداث.

استهداف الاقتصاد: زعزعة الثقة قبل التلاعب بالأرقام

لا تقتصر الحرب الرقمية على الجوانب الأمنية، بل تمتد لتطال الاقتصاد لكونه من أكثر المجالات تأثيراً في الرأي العام، حيث تم ترويج شائعات تزعم ملاحقة المواطنين الذين يتلقون تحويلات مالية من الخارج عبر البنوك، وذلك لضرب الثقة في المنظومة المصرفية والقنوات الرسمية، والهدف هنا يتجاوز مجرد التضليل إلى دفع المواطنين لتغيير سلوكهم المالي بدافع الخوف، مثل تجنب التعاملات البنكية أو تخزين الأموال خارج القنوات الرسمية، كما يتم استغلال الذاكرة البصرية عبر إعادة نشر مقاطع قديمة لأزمات سلع أو فترات الإغلاق في كورونا مع عناوين حديثة توحي بنقص حالي، مما يجعل المقطع حقيقياً في ذاته لكن دلالته الزمنية مزيفة.

إحياء الماضي لصناعة اضطراب في الحاضر

يعتمد التضليل الرقمي بشكل كبير على استعادة مقاطع فيديو قديمة وإخراجها من سياقها الزمني، حيث تُنشر مشاهد لمظاهرات أو تجمعات قديمة على أنها أحداث جارية، وتلعب الحسابات الوهمية دوراً محورياً في تضخيم هذه المواد عبر التفاعل المكثف، مما يخلق فجوة ذهنية بين الواقع الملموس وما يظهر على شاشات الهواتف، وتتكرر هذه الآلية في ملفات الأمن ومراكز الإصلاح والتأهيل عبر استخدام صور ومقاطع من دول أخرى أو فترات زمنية سابقة لترسيخ انطباعات سلبية مضللة عن الأوضاع الراهنة.

من مجرد شائعة إلى هندسة “التريند” المصطنع

يتضح أن التأثير لا يعتمد على المحتوى فحسب بل على استراتيجية التوزيع الممنهجة، حيث يتم استهداف قطاعات حيوية تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، كما يوضح الجدول التالي توزيع نسب الشائعات محل الرصد:

نوع الشائعة النسبة المئوية
الشائعات الاقتصادية 20.3%
شائعات التعليم والخدمات 11.4%
الشائعات الصحية والجنائية 11%

وتكشف هذه الأرقام أن الاستهداف يسير وفق خطة مدروسة، مع الاعتماد على شبكات من الحسابات الوهمية لخلق “جمهور اصطناعي” يوهم المستخدمين بأن هذا المحتوى يحظى بتأييد شعبي واسع، وهو ما يعرف بـ “هندسة التريند” التي تهدف لتحويل المعلومة الكاذبة إلى ما يشبه الرأي العام السائد، وهو ما يسلط عليه الضوء موقع أقرأ نيوز 24.

تحديات معركة الوعي في العصر الرقمي

تكمن الصعوبة في أن سرعة انتشار الشائعة تتجاوز بمراحل سرعة اكتشافها والرد الرسمي عليها، مما يمنح المعلومة المضللة وقتاً كافياً لتشكيل انطباعات سلبية ونشر الذعر قبل ظهور الحقيقة، لذا فإن المواجهة لا تقتصر على مجرد النفي، بل تتطلب منظومة استباقية لإدارة المعلومات تعتمد على الرصد المبكر، والتحقق السريع، وتوفير البيانات الرسمية بشكل شفاف وقابل للتداول، بالتوازي مع تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين ليكونوا خط الدفاع الأول ضد التضليل.

الخطر الحقيقي: تحول الشائعة إلى أزمة سلوكية

انتقل نشاط اللجان الإلكترونية من مجرد تشويه صورة الدولة إلى محاولة توجيه سلوك المجتمع بشكل فعلي، فالتضليل المالي يستهدف السلوك المصرفي، وتزييف نقص السلع يستهدف سلوك المستهلك، بينما تهدف الشائعات الأمنية والصحية والتعليمية إلى زعزعة الشعور بالأمان والثقة في المؤسسات، وبذلك تصبح الشائعة أداة لإنتاج آثار واقعية ملموسة رغم أصلها الافتراضي، مما يجعل المعركة تمتد لتشمل البيئة الرقمية وقابلية الجمهور للتصديق، وهو ما يتطلب مواجهة “الإرهاب المعلوماتي” عبر منظومة وطنية شاملة تجمع بين الرصد الفني، والتحقق السريع، والتواصل الفعال، وتطبيق القانون، وهو النهج الذي تتبعه الدولة المصرية لضمان حماية المجال الرقمي.