لماذا يستمد سعر الصرف قوته من قوة الاقتصاد الوطني وكيف يتأثر استقرار العملة بالإنتاج المحلي

د. يوسف سعيد أحمد
من المسلّم به لدى معظم الاختصاصيين ذوي العلاقة بالاقتصاد أن معالجة أزمة العملة الوطنية لا تبدأ من سعر الصرف، وإنما تبدأ من إصلاح الأسس الاقتصادية التي تمنح العملة قيمتها.
الإنتاجية هي المحرك الحقيقي لقيمة العملة
إن رفع قيمة العملة أو خفضها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بديلاً عن بناء اقتصاد منتج يمتلك القدرة على توليد النقد الأجنبي، وفي الوقت ذاته، تظل إدارة سعر الصرف ركيزة أساسية في السياسة النقدية تهدف إلى الحد من التقلبات الحادة وحماية الاقتصاد من موجات التضخم، لذا فإن الإصلاح الجذري يتطلب دمج الاستقرار النقدي مع الانضباط المالي، عبر تنسيق وثيق بين السياسات المالية والنقدية، وإنجاز إصلاحات مصرفية شاملة تعيد للاقتصاد اليمني قدراته الإنتاجية المفقودة.
مغالطات اختزال الأزمة في سعر الصرف
أمام التحديات الاقتصادية القاسية وتدهور قيمة العملة الوطنية مقارنة بمستوياتها قبل عام 2015، يميل بعض الزملاء إلى تبسيط الأزمة عبر اختزال حلها في مجرد تعديل سعر الصرف، متجاهلين العوامل الاقتصادية البنيوية التي تحدد القيمة الفعلية للعملة، حيث يطالبون البنك المركزي برفع قيمة الريال في تعاملاته مع العملات الأجنبية، وينتقدون تحديد سقف المبادلة كما يظهر في الجدول التالي، مع المطالبة باستمرار التخفيض التدريجي لسعر الصرف.
| العملة الأجنبية | سعر المبادلة المحدد (الريال اليمني) | الموقف النقدي |
|---|---|---|
| الريال السعودي | 410 ريالات يمنية | سقف مبادلة يثير الجدل بين المختصين |
ومن المثير للاستغراب أن هذه المطالبات لا تترافق مع دعوات للعودة إلى سياسة “التعويم” وجعل السوق هو المحدد الوحيد لسعر الصرف، وهو التوجه الذي لطالما أكد عليه صندوق النقد الدولي في تقاريره، مما يشير إلى تجاهل للمشكلات البنيوية والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد رغم التشخيص الدقيق لبعض الاختلالات في كتاباتهم.
شروط خفض سعر الصرف والواقع اليمني
إن النقد الموجه هنا يستند إلى حقيقة اقتصادية مفادها أن تخفيض سعر الصرف يتطلب توفر شروط محددة ليكون مجدياً، ومن أهم هذه الشروط:
- وجود صادرات وطنية قادرة على الاستجابة للتغيرات السعرية.
- توفر احتياطيات نقدية أجنبية كافية لدعم الاستقرار.
- امتلاك جهاز مالي فعال وقاعدة إنتاجية يمكن الاعتماد عليها.
أما في الحالة اليمنية، حيث يسود الاعتماد المفرط على الاستيراد، فإن أي تخفيض في قيمة الريال يؤدي مباشرة إلى ارتفاع الأسعار ونقل العبء إلى المستهلك النهائي، وهو ما يترجم في النهاية إلى زيادة في معدلات الفقر، ومن هنا يصبح السؤال الجوهري ليس عن رفع أو خفض السعر، بل عن السياسة الكفيلة بإعادة التوازن بين سعر الصرف والاقتصاد الحقيقي.
مسؤوليات البنك المركزي وموارد الدولة
من غير المنطقي تحميل البنك المركزي وحده مسؤولية الانهيار الاقتصادي وكأنه الجهة المنوط بها خلق قيمة العملة من عدم، خاصة مع الإدراك التام بأن الاقتصاد لا يولد حالياً صادرات أو إيرادات كافية من العملات الأجنبية، يضاف إلى ذلك أن جزءاً كبيراً من الموارد السيادية المحلية لا يزال لا يورد إلى حساب الحكومة في البنك المركزي، مما جعل الدولة تعتمد بشكل متزايد على المنح والمساعدات الخارجية لتمويل نفقاتها الأساسية، بما في ذلك بند الرواتب.
تحديث النظام المالي والوساطة المصرفية
هناك خلط واضح لدى البعض بين ضرورة تحديث النظام المالي وبين معالجة جذور الأزمة الاقتصادية، حيث يتم انتقاد إنشاء شركة المدفوعات والمقاصة وإعادة تنظيم سجل المتعثرين باعتبارها تسحب من صلاحيات البنك المركزي، وهذا الطرح يتجاهل أن محافظ البنك يرأس مجلس إدارة هذه الشركات لضمان مواءمة أدائها مع توجهات السياسة النقدية، ويهدف إلى تحديث القطاع المصرفي تكنولوجياً لربط البنوك اليمنية بنظرائها في الخارج وتجاوز صعوبات الوصول إلى البنوك المراسلة.
إن البنوك المركزية في الأنظمة الحديثة لا تدير العمليات التشغيلية بنفسها، بل تركز على التنظيم والرقابة ووضع الأطر السياسية، بينما تترك التنفيذ لمؤسسات متخصصة، وبالتالي فإن هذه المشاريع ليست بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي، بل هي أدوات ضرورية لتطوير البنية التحتية المالية.
الخلاصة: تكامل الإصلاح النقدي والمصرفي
في الختام، يمكن التأكيد على أن إصلاح القطاع المصرفي يوازي في أهميته إصلاح سعر الصرف، لأن المعضلة الحقيقية في اليمن لا تكمن فقط في قيمة الريال، بل في ضعف وظيفة الوساطة المالية وعجز الجهاز المصرفي عن تقديم دعم حقيقي للنشاط الاقتصادي، وبناءً عليه فإن سعر الصرف هو المرآة التي تعكس صحة الاقتصاد، وليس الأداة التي تمنحه الصحة.




