تقنية

حصاد أسبوع من تطورات سوريا الجديدة

مرت سوريا بأسبوع حافل بتطورات دراماتيكية يصعب فصل مساراتها عن بعضها، فقد انتهى دور “قسد” كقوة عسكرية مستقلة، وباتت البلاد خارج القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، كما أعادت دمشق هيكلة علاقاتها العسكرية مع موسكو، مع استمرار الانفتاح الاقتصادي والمفاوضات مع إسرائيل.

وتبرز أهمية هذه التحولات في كونها ترسم ملامح الدولة السورية الجديدة، وتحدد مدى قدرتها على استعادة قرارها السيادي في الداخل، وإعادة تموضعها على الخارطتين الإقليمية والدولية.

الملف الوضع السابق الوضع الحالي (التحول)
قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قوة عسكرية مستقلة تسيطر على ربع المساحة حل القوة العسكرية ودمج الأدوات في مؤسسات الدولة
التصنيف الأمريكي مدرجة كدولة راعية للإرهاب منذ 1979 إزالة سوريا من القائمة الأمريكية
العلاقة مع روسيا امتيازات عسكرية واسعة لموسكو تقليص الامتيازات واستعادة إدارة منشآت سيادية

التحول الداخلي وإنهاء استقلالية “قسد”

يمثل تفكيك “قسد” المنعطف الداخلي الأكثر تأثيرًا، حيث كانت هذه القوة تسيطر لسنوات على مساحات شاسعة من البلاد، وتمتلك أجهزة أمنية وموارد نفطية ومعابر حدودية وعلاقات خارجية مباشرة، وهو ما يجعل انتقال هذه الصلاحيات إلى مؤسسات الدولة استعادة لجوهر سلطة دمشق، خاصة بعد إنهاء وجود أي قيادة عسكرية تعمل بمعزل عن الجيش السوري.

تسوية القضية الكردية ومستقبل الإدارة المحلية

يحمل الاتفاق الجديد أبعادًا استراتيجية، إذ حافظ الأكراد على مكانتهم داخل الدولة، ونالوا اعترافًا أوسع بحقوقهم الثقافية واللغوية، مع انتقال قياداتهم إلى مناصب رسمية، وبذلك تحولت القضية الكردية من صراع وتفاوض بين دمشق وكيان مسلح إلى حوار داخلي حول التمثيل والحقوق والإدارة المحلية، ويبقى نجاح هذه التجربة رهناً بقدرة السلطة على الموازنة بين وحدة القرار الوطني واحترام خصوصيات المكونات السورية.

التحديات العالقة وبناء الثقة المحلية

لا يزال الرئيس أحمد الشرع يواجه ملفات شائكة تتطلب معالجة دقيقة، مثل أوضاع السويداء والفصائل المسلحة والمقاتلين الأجانب، وهو ما يستدعي صياغة حلول تعزز هيبة الدولة وتمنع ظهور مراكز قوى موازية، ورغم أن تجربة شمال شرق سوريا قد تقدم دروسًا مفيدة، إلا أن تباين الظروف يفرض حلولاً مخصصة لكل حالة، مع التأكيد على أن احتكار السلاح يتطلب بناء جسور الثقة وضمان المشاركة الفاعلة في الحقوق.

الانفتاح الأمريكي وآفاق إعادة الإعمار

تلقّت دمشق دفعة قوية من واشنطن بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار ينهي حقبة بدأت منذ عام 1979، ويكمل مسار رفع العقوبات التدريجي، ويبدو أن إدارة ترامب تمنح الرئيس الشرع مساحة للمناورة اقتصادياً وسياسياً مقابل تحقيق تحولات محددة، تراهن فيها واشنطن على استمرار محاربة “داعش”، وتقليص النفوذ الإيراني، والحد من الارتهان لروسيا، فضلاً عن تثبيت وحدة البلاد والتفاهم مع إسرائيل.

يفتح هذا القرار الأمريكي الأبواب أمام المصارف والمستثمرين والشركات العالمية، مما يجعل إعادة الإعمار هدفاً واقعياً، وهو ما يفسر ترحيب الإمارات بهذه الخطوة التي ترى في عودة سوريا للأسواق العالمية صمام أمان لاستقرارها، فالترتيبات الأمنية وحدها لا تكفي لإعادة بناء بلد أنهكته الحروب، بل إن تدفق رؤوس الأموال وخلق فرص العمل هو الأساس المستدام للتعافي الاقتصادي وفق ما ينشر في “أقرأ نيوز 24”.

إعادة تعريف الشراكة العسكرية مع روسيا

جاء الاتفاق الجديد مع موسكو ليقلص الامتيازات العسكرية التي مُنحت في العهد السابق، حيث استعادت الإدارة السورية السيطرة على مطار حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس، مع الإبقاء على إطار من التعاون التدريبي والعسكري، وبذلك لا تسعى دمشق لقطع علاقاتها بروسيا، بل لإعادة صياغتها بما يتناسب مع احتياجاتها الوطنية الجديدة، بالتوازي مع توسيع آفاق علاقاتها مع الولايات المتحدة.

تعقيدات الملف الإقليمي والتوازن بين القوى

تظل المحادثات السورية الإسرائيلية الملف الأكثر تعقيداً، خاصة في ظل الغارات المستمرة واعتراض تل أبيب على تزايد الدور التركي في سوريا، حيث تتضارب المصالح بين تركيا وإسرائيل، بينما تسعى دمشق جاهدة للحفاظ على سيادتها الكاملة في بناء جيشها واختيار تحالفاتها، لضمان عدم تحول أراضيها مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن ما شهدته سوريا في أسبوع واحد لا يعني نهاية أزماتها، بل يعلن انتقالها إلى مرحلة جديدة تترابط فيها استعادة مؤسسات الدولة والقرار العسكري بالانفتاح الاقتصادي، ورغم المكاسب السريعة التي حققها الشرع، إلا أن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن في تحويل هذه التفاهمات إلى مؤسسات فاعلة، واقتصاد متعافٍ، وتسويات داخلية تضمن وحدة البلاد وحقوق كافة مكوناتها.

زر الذهاب إلى الأعلى