جلال جيد وسعيد بلقولة بين صافرة صنعت التاريخ 1998وحلم

جلال جيد وسعيد بلقولة اسمان يفصل بينهما جيل كامل، لكنهما يلتقيان اليوم عند الحلم نفسه؛ أن يسمع العالم صافرة مغربية في المباراة الأكبر والأكثر مشاهدة في كرة القدم، وأن يقف حكم من المغرب وسط نجوم النهائي دون خوف من الأسماء أو رهبة من الملايين التي تراقب كل حركة وقرار.
قبل 28 عاما، دخل سعيد بلقولة أرضية ملعب فرنسا في سان دوني مرتديا القميص الأسود، حاملا صافرة لم تكن تمثل مسيرته الشخصية فقط، بل كانت تحمل معها طموح التحكيم المغربي والإفريقي والعربي بأكمله.
كان النهائي آنذاك بين فرنسا والبرازيل، بين منتخب صاحب الأرض والجمهور ومنتخب يدافع عن لقبه العالمي. كانت المدرجات تهتز، والكاميرات تلاحق كل تفصيل، والضغط أثقل من أن يحتمله حكم عادي.
لكن سعيد بلقولة لم يكن حكما عاديا.
ظهر بثبات لافت، وفرض شخصيته على المباراة، ولم يتردد في إشهار البطاقة الحمراء في وجه المدافع الفرنسي مارسيل ديسايي بعد حصوله على الإنذار الثاني، رغم أن فرنسا كانت تخوض النهائي أمام جماهيرها وعلى أرضها.
في تلك اللحظة لم يكن القرار مجرد بطاقة حمراء، بل كان إعلانا بأن الصافرة المغربية قادرة على الوقوف في قلب أقوى مباراة في العالم واتخاذ أصعب القرارات دون تردد.
واليوم، بعد عقود من ذلك المشهد الذي أصبح جزءا من الذاكرة الرياضية الوطنية، يقف الحكم المغربي جلال جيد أمام فرصة قد تعيد الحكاية إلى الواجهة من جديد.
صافرة مغربية تقترب من المشهد الأكبر
لم يعد وجود جلال جيد في كأس العالم 2026 مجرد مشاركة رمزية أو حضور شرفي ضمن لائحة الحكام، فقد تحول تدريجيا إلى أحد الأسماء التي فرضت احترامها داخل البطولة، بفضل طريقة إدارته للمباريات وقدرته على التحكم في اللحظات التي يشتد فيها التوتر.
وقاد الحكم المغربي مباريات مهمة خلال المونديال، بمساعدة مواطنيه زكرياء برينسي ومصطفى أكرداد، إلى جانب حمزة الفارق ضمن طاقم تقنية الحكم المساعد بالفيديو.
وأدارت الصافرة المغربية مواجهتي ألمانيا وكوراساو، والبرتغال وأوزبكستان، قبل أن تواجه اختبارا أكثر صعوبة وحساسية خلال مباراة الباراغواي وألمانيا.
في تلك المواجهة، لم يكن جلال جيد أمام مباراة عادية، بل أمام منتخب ألماني يبحث عن الانتصار ويضغط بقوة، وأمام تفاصيل صغيرة يمكن أن تغير مصير اللقاء بأكمله.
وجاءت اللحظة الأكثر حساسية عندما سجل المنتخب الألماني هدفا بدا في البداية صحيحا، قبل أن يعود الحكم المغربي إلى تقنية الفيديو ويقرر إلغاءه.
قرار من هذا النوع، وفي مباراة بهذا الحجم، كان يمكن أن يشعل احتجاجات واسعة أو يضع الحكم في قلب عاصفة من الانتقادات، لكن جلال جيد تعامل معه بثقة وهدوء، وأعلن قراره دون ارتباك، ثم أعاد المباراة إلى مسارها الطبيعي.
كانت تلك اللحظة تحديدا من المشاهد التي تكشف معدن الحكم الحقيقي، لأن إدارة المباريات الكبرى لا تقاس بعدد الصافرات أو البطاقات، بل بالقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الذي تكون فيه الضغوط في أعلى مستوياتها.
جلال جيد يفرض نفسه بعيدا عن الضجيج
الميزة التي طبعت أداء جلال جيد في كأس العالم لم تكن فقط دقة القرارات، بل الطريقة التي أدار بها المباريات دون أن يتحول إلى بطل للمشهد أو جزء من الصراع بين اللاعبين.
فالحكم الناجح لا يبحث عن الكاميرا، ولا يحاول فرض حضوره بالصراخ والإفراط في إشهار البطاقات، بل يجعل المباراة تسير تحت سيطرته بأقل قدر ممكن من التوتر.
وقد نجح جلال جيد في تحقيق هذا التوازن، فظهر صارما عندما تطلبت المباراة الحزم، وهادئا عندما كانت اللحظة تحتاج إلى التواصل، وقريبا من الأحداث دون أن يتدخل في إيقاع اللعب بصورة مبالغ فيها.
كما أبان عن قدرة واضحة على مخاطبة اللاعبين وشرح القرارات، وهي مهارة أصبحت أساسية في التحكيم الحديث، خصوصا في ظل وجود تقنية الفيديو وتعقد الحالات التي يمكن أن تثير الغضب والاحتجاج.
هذا الأداء جعله بعيدا عن الجدل الذي يرافق عادة حكام كأس العالم، ومنحه نقاطا إضافية داخل لجنة التحكيم التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
وجاءت الإشارة الأهم عندما احتفظت «فيفا» باسمه ضمن القائمة المقلصة للحكام المؤهلين لإدارة ما تبقى من مباريات البطولة، ليصبح، وفق المعطيات المتاحة، الممثل الإفريقي الوحيد داخل هذه المجموعة.
ولم يكن الوصول إلى هذه القائمة هدية أو مجاملة للتحكيم الإفريقي، بل نتيجة مباشرة للمستوى الذي قدمه الحكم المغربي في المباريات التي قادها.
سعيد بلقولة عندما انحنى العالم للصافرة المغربية
كلما اقترب حكم مغربي من مباراة كبيرة في كأس العالم، يعود اسم سعيد بلقولة إلى الواجهة، ليس من باب الحنين فقط، بل لأن الرجل حقق إنجازا ظل استثنائيا في تاريخ التحكيم العالمي.
في 12 يوليوز 1998، أصبح سعيد بلقولة أول حكم إفريقي وعربي يقود نهائي كأس العالم، وهو إنجاز لم يكن سهلا في زمن كانت فيه مدارس التحكيم الأوروبية والأمريكية الجنوبية تهيمن على المباريات الكبرى.
وصل بلقولة إلى النهائي بعد مسار طويل من التألق محليا وقاريا ودوليا، وتميز بشخصية قوية داخل أرضية الملعب وبلياقة بدنية وقدرة على قراءة اللعب.
كما اكتسب خبرة مهمة من مشاركاته القارية ومن تجربته في الدوري الياباني، قبل أن تمنحه لجنة الحكام الثقة لقيادة المباراة التي كانت تنتظرها الكرة العالمية.
لم يدخل الحكم المغربي النهائي متأثرا بهيبة نجوم البرازيل أو بحماس الجماهير الفرنسية، بل أدار المواجهة بثبات جعل اسمه جزءا من تاريخ البطولة.
وعندما أشهر البطاقة الحمراء في وجه ديسايي، أكد أن الحكم الذي يصل إلى النهائي لا ينبغي أن يفكر في اسم اللاعب أو لون القميص أو حجم الجمهور، بل في القانون وحده.
انتهت المباراة بتتويج فرنسا بطلة للعالم، لكن المغرب خرج منها بإنجاز لا يقل قيمة من الناحية الرمزية، بعدما أثبت سعيد بلقولة أن الكفاءة المغربية قادرة على بلوغ أعلى المستويات.
28 عاما من الانتظار
بعد نهائي 1998، بدا أن أبواب كأس العالم ستظل مفتوحة أمام الحكام المغاربة، غير أن الواقع جاء مختلفا.
شارك الحكم محمد لكزاز في مونديال 2002، وقاد مباراة إسبانيا وسلوفينيا، لكن الصافرة المغربية غابت بعد ذلك عن إدارة مباريات كأس العالم خلال نسخ متتالية.
كان غيابا طويلا أثار تساؤلات حول موقع المدرسة المغربية داخل التحكيم الإفريقي والدولي، خصوصا أن المغرب ظل حاضرا بقوة في المنافسات القارية، وقدم حكاما يمتلكون الخبرة والقدرة على إدارة المباريات الكبرى.
لكن الوصول إلى كأس العالم يخضع لمعايير دقيقة ومنافسة شديدة بين الحكام، تشمل الاختبارات البدنية والتقييمات التقنية والقدرة على التعامل مع تقنية الفيديو، إضافة إلى الأداء في المسابقات القارية والدولية.
لهذا لم تكن عودة طاقم تحكيمي مغربي متكامل في مونديال 2026 حدثا عاديا، بل كانت استعادة لمكانة غابت سنوات طويلة.
والأهم أن هذه العودة لم تتوقف عند المشاركة، بل تطورت إلى حضور مؤثر جعل جلال جيد من الأسماء المرشحة للاستمرار حتى اللحظات الأخيرة من البطولة.
هل يختار الفيفا جلال جيد للنهائي؟
هذا هو السؤال الذي يشغل الجماهير المغربية اليوم، خصوصا بعد تقليص قائمة الحكام والإبقاء على اسم جلال جيد ضمن الخيارات المتاحة أمام لجنة التحكيم.
لكن الوصول إلى المباراة النهائية لا يعتمد على الأداء وحده، رغم أهميته، إذ تراعي «فيفا» مجموعة من المعطيات قبل الإعلان عن الطاقم الذي سيتولى إدارة النهائي.
وتدخل في الحسابات جنسيات المنتخبات المتأهلة، والانتماء القاري للحكم، والمباريات التي سبق له قيادتها، إضافة إلى تقييم كل قرار اتخذه خلال البطولة.
كما يمكن أن تسند إليه إحدى مباراتي نصف النهائي أو مباراة تحديد المركز الثالث، وهي تعيينات تظل بدورها اعترافا عالميا كبيرا بقيمة الحكم المغربي.
ومع ذلك، فإن الاحتفاظ بجلال جيد إلى هذه المرحلة يجعل حلم النهائي مشروعا، ولا سيما أنه قدم مباريات هادئة، واتخذ قرارات مؤثرة دون الوقوع في أخطاء أثارت جدلا واسعا.
إن تعيينه في النهائي سيكون حدثا تاريخيا يعيد الصافرة المغربية إلى الواجهة بعد 28 عاما من إنجاز سعيد بلقولة، لكنه سيحمل أيضا معنى أكبر من مجرد تكرار الماضي.
سيعني أن المدرسة التحكيمية المغربية لم تعد تعيش على ذكرى رجل واحد، وأنها قادرة على إنتاج أسماء جديدة تصل إلى أعلى المستويات وتتعامل مع التحولات الكبيرة التي عرفتها كرة القدم.
من بلقولة إلى جيد حكاية وطن يبحث عن المجد
الفرق بين مونديال 1998 ومونديال 2026 كبير، فقد تغيرت كرة القدم، ودخلت تقنية الفيديو إلى الملاعب، وأصبح كل قرار تحكيمي يخضع لعشرات الإعادات والزوايا والتحليلات الفورية.
لكن جوهر المهمة لم يتغير.
يبقى الحكم مطالبا بالشجاعة والتركيز والعدالة والقدرة على مقاومة الضغط، وهي الصفات التي صنعت مكانة سعيد بلقولة، والصفات نفسها التي يحاول جلال جيد تأكيدها في النسخة الحالية.
قد لا تعلن «فيفا» اسم الحكم المغربي لإدارة المباراة النهائية، وقد تمنحه مباراة أخرى ضمن الأدوار الحاسمة، لكن ما حققه حتى الآن أعاد الصافرة المغربية إلى مكانها بين كبار العالم.
أما إذا جاء القرار المنتظر وحمل جلال جيد صافرته نحو النهائي، فإن المشهد لن يكون مجرد تعيين تحكيمي، بل لحظة تختصر 28 عاما من الانتظار.
سيعود المغاربة حينها إلى ليلة سان دوني، وإلى صورة سعيد بلقولة وهو يقف بثبات وسط نجوم فرنسا والبرازيل، قبل أن يفتحوا صفحة جديدة عنوانها جلال جيد.
وبين حكم صنع التاريخ سنة 1998 وحكم يقترب من كتابة تاريخ جديد سنة 2026، تبقى الصافرة المغربية معلقة بين الذاكرة والحلم.
فهل يعيد جلال جيد الحكاية إلى بدايتها، أم أن إرث سعيد بلقولة سيظل ينتظر اسما مغربيا آخر ليكمل الفصل الذي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود؟
Post Views: 10




