أوضح علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد، أن وصول مصروفات خدمة الدين إلى نحو 113% من إجمالي إيرادات الدولة يعد مؤشرًا بالغ الخطورة يستدعي التحليل الدقيق، إذ يعكس حجم الضغوط المتزايدة على المالية العامة نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض المحلي والخارجي، وهو ما يعني عمليًا أن الإيرادات لم تعد كافية لتغطية الفوائد والأقساط، مما يقلص قدرة الدولة على تمويل المشروعات التنموية ويزيد من فجوات التمويل في الموازنة العامة.
أسباب الضغوط المالية وتحديات الهيكلة
وفي تصريح خاص لموقع “أقرأ نيوز 24″، أشار الإدريسي إلى أن هذا الوضع يعود جزئيًا إلى ظروف استثنائية، مثل موجة التشديد النقدي العالمية وارتفاع أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تداعيات الأزمات الجيوسياسية التي أثرت سلبًا على تدفقات النقد الأجنبي، مؤكدًا أن استمرار هذه النسبة المرتفعة لفترات طويلة قد يكشف عن وجود اختلال هيكلي في المالية العامة، يتجلى في الاعتماد المفرط على الاقتراض مقابل تباطؤ في نمو الإيرادات السيادية.
استراتيجيات مواجهة أعباء الدين العام
وأكد أن الحل لا يكمن فقط في خفض الاقتراض، بل يجب أن يرتكز على خطة شاملة لزيادة الإيرادات عبر تحفيز معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز القدرات التصديرية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، مع تحسين كفاءة إدارة الدين العام لخفض تكلفته تدريجيًا وتحقيق استدامة مالية حقيقية.
| المؤشر الاقتصادي | القيمة / النسبة | الملاحظات / الفترة الزمنية |
|---|---|---|
| نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الإيرادات | 113% | مؤشر يعكس ضغوطًا حادة على المالية العامة |
| مخصصات خدمة الدين المتوقعة | أكثر من 5 تريليونات جنيه | موازنة العام المالي 2026/2027 |
سياسات التوازن بين الانضباط المالي والإنفاق الاجتماعي
وأوضح أنه في ظل وصول مخصصات خدمة الدين إلى مستويات قياسية في موازنة 2026/2027، يتعين على الحكومة تبني استراتيجية متكاملة توازن بين الانضباط المالي والحفاظ على الإنفاق التنموي، محذرًا من أن تقليص الموازنات المخصصة للتعليم والصحة والاستثمار سيؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على رأس المال البشري والنمو الاقتصادي على المدى الطويل.
آليات تحسين إدارة الدين العام وتنمية الموارد
واقترح مجموعة من السياسات الفعالة لخفض أعباء الدين، تتضمن ما يلي:
- إعادة هيكلة الدين العام عبر التوسع في أدوات التمويل طويلة الأجل ومنخفضة التكلفة.
- زيادة الاعتماد على التمويلات الميسرة وتحسين إدارة محفظة الدين لتقليل مخاطر إعادة التمويل.
- العمل على تحقيق فائض أولي في الموازنة، مع توسيع القاعدة الضريبية بدمج الاقتصاد غير الرسمي.
- تسريع برنامج الطروحات الحكومية وتعظيم الاستفادة من الأصول غير المستغلة لتوفير موارد ذاتية.
- دعم القطاع الخاص لزيادة الإنتاج والتصدير، مما يرفع الإيرادات العامة بصورة مستدامة.
السيناريوهات المتوقعة لمستقبل المالية العامة
وبين الإدريسي أن استمرار معدلات الاقتراض الحالية سيضع الاقتصاد المصري تحت ضغوط متزايدة، حيث ستستنزف خدمة الدين معظم موارد الدولة، مما يقلل المساحة المتاحة للاستثمار في البنية الأساسية ويزيد من حساسية الاقتصاد تجاه الصدمات الخارجية أو تقلبات الفائدة العالمية، بينما يتمثل السيناريو الإيجابي في نجاح الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاح مالي وشامل يؤدي إلى زيادة النمو وخفض تكلفة التمويل، مما ينعكس إيجابًا على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
ركائز تحقيق الاستدامة المالية طويلة الأمد
ولتحقيق استقرار مالي مستدام، شدد على ضرورة منح الأولوية لقطاعات التصنيع والتصدير، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة قاطرة النمو، مع تحسين مناخ الاستثمار وضبط الإنفاق العام ليكون موجهًا نحو المشروعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، بالإضافة إلى تنويع مصادر النقد الأجنبي عبر السياحة والاستثمارات المباشرة وتحويلات المصريين بالخارج، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي لنجاح إدارة ملف الدين هو تحقيق معدلات نمو تفوق تكلفة الاقتراض، بما يضمن الحفاظ على الإنفاق التنموي والاجتماعي.
