أخبار العالم

معاناة المواطنين في رحلة البحث عن حرفيين موثوقين وسط غياب التنظيم

تحول البحث عن حرفيين متخصصين في البناء أو السباكة أو الكهرباء والدهانات في الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه “رحلة شاقة”، حيث تسبب تزايد إقبال المواطنين على تحسين وتوسيع مساكنهم في خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب، مما جعل الحرفي الماهر “عملة نادرة” خاصة في الحواضر الكبرى، الأمر الذي دفع الكثير من العائلات لقبول مواعيد متباعدة وأسعار مرتفعة كأمر واقع لا مفر منه.

أزمة ندرة اليد العاملة المؤهلة وتحديات التنفيذ

مع تسارع وتيرة التوسعات العمرانية وتوزيع السكنات الاجتماعية والحديثة، بات الوصول إلى حرفي محترف ضرورة ملحة، إلا أن الواقع يكشف عن شح شديد في الكفاءات وصعوبة بالغة في تحديد المواعيد، لا سيما في مدن كالعاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة حيث تصل الأسعار لمستويات خيالية، ولا تتوقف المعاناة عند التكلفة المادية، بل تمتد لتشمل عدم الالتزام بالمواعيد والغياب المتكرر بحجج واهية، أو البطء المتعمد في التنفيذ، وصولاً إلى بعض التجاوزات المهنية التي تضطر صاحب المنزل لإعادة العمل من الصفر وتحمل أعباء مالية مضاعفة.

أجور مرتفعة تضاهي رواتب كبار الإطارات

يروي سفيان عمروش، وهو إطار إداري بولاية تيبازة، تجربته المريرة في البحث عن بناء محترف لإعادة تهيئة سكنه وتركيب تدفئة ذكية، وهي الرحلة التي استغرقت أكثر من شهرين من البحث المضني، لينتهي به المطاف بدفع مبلغ 30 مليون سنتيم في أقل من شهر، وهو رقم يوازي رواتب كبار المسؤولين أو البرلمانيين في الجزائر، ومن جانب آخر، يؤكد شريف بن سعدة، صاحب مؤسسة أشغال بناء، أنه اضطر لمضاعفة أجور عماله لضمان الالتزام بآجال التسليم وتجنب العقوبات القانونية، مشيراً إلى أن برامج السكن الكبرى مثل برنامج “مليون سكن” و”عدل” زادت من حدة التنافس على اليد العاملة القليلة المتاحة.

نوع الخدمة / المؤشر التكلفة / القيمة التقديرية ملاحظات إضافية
بناء المتر المربع (آجر أحمر) 350 دينار جزائري تختلف حسب المنطقة والخبرة
تركيب الخزف (المتر المربع) 800 دينار جزائري تعتمد على دقة التنفيذ
الدخل اليومي التقريبي للحرفي تصل إلى 6000 دينار جزائري تتأثر بطبيعة المشروع
تكلفة تهيئة سكن (حالة خاصة) 30 مليون سنتيم أنجزت في أقل من شهر

تحديات التكوين المهني وعزوف الشباب

على الرغم من استراتيجية الدولة لتحفيز الشباب نحو التكوين المهني، إلا أن هناك عزوفاً ملحوظاً عن هذه المهن الشاقة، حيث يميل الكثيرون نحو التجارة والربح السريع، أو يفكرون في الهجرة غير الشرعية “الحرقة” نحو أوروبا، وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل الهيكلي، قامت وزارة التكوين المهني ووزارة العمل بتسهيل إجراءات التحاق المتسربين من المدارس بمراكز التكوين، وإطلاق تربصات متخصصة للمستفيدين من منحة البطالة لدمجهم في سوق العمل وتوفير بدائل مهنية مستدامة.

وجهة نظر الحرفيين: مهنة شاقة ومطالب مشروعة

من منظور الحرفيين، فإن الأجور المرتفعة ليست رفاهية بل هي تعويض عن المجهود البدني الشاق والأمراض المهنية المزمنة، مثل إصابات الظهر والمفاصل، حيث يوضح البناء عادل فروج أن غياب التأمين الصحي والطابع الموسمي للمهنة، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة، أجبرهم على رفع أسعارهم لضمان حياة كريمة لعائلاتهم، خاصة بعد الأزمة التي خلفتها جائحة كورونا والتي تسببت في بطالة تقنية للكثيرين، مما دفع البعض لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي للبحث عن فرص عمل في المدن الكبرى لتحقيق مدخول أفضل.

الرقمنة كحل مبتكر لسد الفجوة بين الزبون والحرفي

وسط هذا الاحتقان، استغل بعض الشباب الفجوة التقنية لتطوير حلول رقمية تسهل الوصول إلى الحرفيين، ومن أبرز هذه المبادرات:

  • تطبيق “ألو خدمة”: الذي يعمل كمحرك بحث لربط المواطنين بأقرب حرفي متاح جغرافياً.
  • تطبيق “ألو حرفي”: الذي يتيح للمهنيين الترويج لخدماتهم مقابل اشتراك رمزي لزيادة فرص تشغيلهم.
  • منصة “بريكولا”: وهي مبادرة شبابية أطلقها طلبة جامعة البليدة 2 لتعزيز روح المقاولاتية.

ختاماً، يظل قطاع الحرف في الجزائر يعاني من أزمة بنيوية تتأرجح بين الطلب المتزايد وعزوف الشباب، ورغم أن التكنولوجيا تقدم حلولاً للتنظيم، إلا أن الحل الجذري يكمن في إعادة الاعتبار لهذه المهن، وتوفير حماية اجتماعية لائقة تضمن حقوق الحرفي وتحمي المستهلك من الاستغلال.

زر الذهاب إلى الأعلى