منوعات

في ذكرى رحيله: أحمد شوقي.. من شاعر القصر إلى “أمير الشعراء”

في أكتوبر من كل عام يعود اسم أحمد شوقي إلى الذاكرة العربية، اسمُ شاعرٍ بايعته الأقطار العربية أميرًا للشعراء، ورحل عن الدنيا في الرابع عشر من أكتوبر سنة 1932.

وُلد أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي في القاهرة، وسط أسرة تتعدد أصولها بين الكردية واليونانية والتركية والعربية، ونشأ في كنف جدته لأمه، التي كانت تحظى بمكانة رفيعة في قصر الخديوي إسماعيل. وقد أتاحت له صلة أسرته بالقصر الاقتراب من أجوائه منذ طفولته، وهو ما ترك أثرًا في أعماله الأدبية، ولا سيما رواياته التي لم تخلُ من الإشارة إلى القصر وما يحيط به.

بدأ شوقي تعليمه في كُتّاب الشيخ صالح، ثم انتقل إلى مدرسة المبتديان الابتدائية والتجهيزية الثانوية، قبل أن يلتحق بمدرسة الحقوق، حيث درس سنتين، ثم انتقل إلى قسم الترجمة، فدرس اللغة الفرنسية وحصل على الإجازة فيها، وفي تلك المرحلة، بدأت موهبته الشعرية تلفت الأنظار، بعدما أخذ يطالع القصائد التي كان ينظمها أستاذه محمد البسيوني البيتاني في مدح الخديوي، ويعمل على تهذيبها وتجويدها.

أدرك البسيوني مبكرًا ما يمتلكه تلميذه من براعة وذكاء، فأبلغ الخديوي توفيق بنبوغه، لتكون هذه الشهادة من بين الأسباب التي دفعت الخديوي، عام 1887، إلى إرساله إلى باريس على نفقته الخاصة لاستكمال دراسته، وشكلت هذه الخطوة نقطة تحول في حياة شوقي، الذي اطلع خلال وجوده في فرنسا على الآداب الأوروبية، إلى جانب دراسته القانون والحقوق، وإن لم يمارسهما بعد عودته إلى مصر.

عُيّن شوقي بعد عودته رئيسًا للقلم الإفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي، وانتُدب سنة 1896 لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين المنعقد بجنيف في سويسرا، وكانت مواهبه الشعرية قد بدأت تلفت الأنظار وهو طالب في مدرسة الحقوق. وخلال وجوده في فرنسا دأب على إرسال قصائد في مدح الخديوي توفيق، وبعد عودته أصبح “شاعر القصر” المقرّب من عباس حلمي.

لكن مسيرة شوقي شهدت تحولًا بارزًا عندما هاجم الاحتلال البريطاني لمصر، فنُفي إلى إسبانيا سنة 1914. وفي المنفى اطّلع على الأدب العربي ومظاهر الحضارة الإسلامية في الأندلس، فنظم الكثير من درر شعره إشادة بها وحنينًا إلى مصر، ومن المنفى أرسل نونيته السائرة “أندلسية” يعارض فيها نونية ابن زيدون “أضحى التنائي”، وفيها:يا نائح الطلح، أشباه عوادينا

نشجى لواديك أم نأسى لوادينا؟

ونظم في منفاه ملحمة رجزية طويلة بعنوان “دول العرب وعظماء الإسلام” بلغت 1726 بيتًا، وعاد إلى مصر بعد أربع سنوات قضاها في المنفى.

بعد عودته بدأ يقترب من الشعب وينخرط في صفوفه بعد أن كان شاعر البلاط والسلاطين، فنظم القصائد الوطنية والقومية، ومجّد الثورات العربية، ووقف إلى جانب السوريين في ثوراتهم الوطنية، وكرّس قلمه وعقله ضد الاستعمار الغربي وأطماعه، وكان يزاحمه على عرش الشعر الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، الأقرب إلى قلوب الجماهير حين كان شوقي أسير القصر، لكن شوقي تغلّب على منافسه بعد نفيه حين تعاطفت معه الجماهير، وظل يبعث بقصائده الوطنية من منفاه.

وفي عام 1927، تقرر عقد مؤتمر لتكريم شوقي في دار الأوبرا بالقاهرة، لكنه تحول إلى احتفال بمبايعته أميرًا للشعراء، بحضور الحشود والجماهير والوفود العربية، وشارك في الاحتفالات ممثلون عن عدد من البلدان العربية، من بينهم محمد كرد عن المجمع العلمي العربي بدمشق، وشبلي ملاط عن لبنان، وأمين الحسيني عن فلسطين، وأعلن حافظ إبراهيم وثيقة البيعة باسم شعراء العربية، قائلًا:

“أميـــرَ القوافي قـد أتـيـت مـبايعـا

وهذي وفود الشرق قد بايعت معي”.

ولم يأفل نجم شوقي بعد الإمارة، فقد أصبح إنتاجه بعدها أكثر وأغزر مما كان قبلها، وانصب اهتمامه على الشعر المسرحي فأصبح رائده الأول على المستوى العربي، وكان من أخصب شعراء العربية إنتاجًا، إذ كتب ما يزيد على 23 ألفًا وخمسمائة بيت، وجمع شعره في ديوان “الشوقيات” الذي صدر في أربعة أجزاء، وكتب مسرحيات شعرية منها “مصرع كليوباترا” “مجنون ليلى” “قمبيز” “علي بك الكبير” “أميرة الأندلس” “عنترة” “الست هدى” “البخيلة” و”شريعة الغاب”، وله روايات منها “عذراء الهند” و”آخر الفراعنة”، وفي النثر كتاب “أسواق الذهب” الذي انتهج فيه أسلوب المقامات الأدبية.

أصيب شوقي بتصلب في شرايينه، وفي سنة 1932 اضطره مرض مفاجئ إلى ملازمة الفراش أربعة أشهر أوهنت عزيمته وأضعفت قواه، انكب في آخر حياته على المطالعة والأدب، وألّف في تلك الفترة العصيبة الكثير من روائعه، منها “مجنون ليلى” “قمبيز” “الست هدى” “علي بك الكبير” و”البخيلة”، لعله يتناسى آلامه وأوجاعه، وأكثر كذلك من رحلاته وطلعاته الترفيهية، يرافقه فيها سكرتيره الخاص أحمد عبد الوهاب كظله لا يفارقه.

كان شوقي في زيارة خاصة لجريدة “الجهاد”، عندما أصابه سعال شديد اضطره إلى العودة إلى بيته، وبعد استراحة قصيرة، عاد إليه السعال مصحوبًا بضيق شديد، حتى فارق الحياة في الساعة الثانية من ليلة الرابع عشر من أكتوبر.

رحل أحمد شوقي، لكنه ترك وراءه تجربة أدبية امتدت من الشعر إلى المسرح والرواية والنثر، وجمعت بين المديح والرثاء والغزل والحكمة، وبين التعبير عن القضايا الوطنية والقومية، وبقي لقبه “أمير الشعراء” شاهدًا على مكانته التي توّجتها مبايعة شعراء عصره عام 1927، فيما ظل إنتاجه الأدبي جزءًا بارزًا من مسيرة الشعر العربي الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى