لم تكن مباراة ربع نهائي كأس العالم 2026 بين فرنسا والمغرب مجرد مباراة كرة قدم عادية، بل كانت درساً في البراغماتية الباردة لجيش متمرس. فرغم الجهود الحثيثة التي بذلها المنتخب الأفريقي، برزت صلابة “الديكة الفرنسية” في اللحظة الحاسمة لحسم مصير المباراة.
تألق كيليان مبابي بشكل لافت، مساهماً في فوز فرنسا على المغرب. (صورة: غيتي إيميجز)
هيمنة مطلقة في الأداء الهجومي.
بالنظر إلى الإحصائيات، استحوذ المغرب على الكرة بنسبة 51%، وهي نسبة مثيرة للإعجاب أمام حامل اللقب. إلا أن هذا الاستحواذ تم تحييده تمامًا بفضل أسلوب المدرب ديدييه ديشامب الدفاعي الاستباقي. وكشف مقياس الأهداف المتوقعة (xG) عن حقيقة مُرّة: لم يُسجّل المغرب سوى 0.14 هدفًا متوقعًا، بينما بلغ رصيد فرنسا 3.04 هدفًا متوقعًا.
هذا يعني أن جودة الفرص التي صنعها الفرنسيون كانت أعلى بـ21 مرة من خصومهم. كان “الديوك” مستعدين للتخلي عن الاستحواذ، والتراجع للخلف، ثم شن هجمات حاسمة وسريعة. أما المغرب، فرغم استحواذه على الكرة لفترة أطول، لم يتمكن إلا من البقاء في منطقة وسط الملعب، وانتهى به الأمر بتسديدات بعيدة المدى لم تشكل أي تهديد على مايك ماينان.
مرونة كيليان مبابي واللحظة التي تخلص فيها من الضغط.
كان كيليان مبابي محور المباراة. عانى نجم ريال مدريد من لحظات توتر شديد عندما أهدر ركلة جزاء في الدقيقة 28. بدا أن انتظار مراجعة تقنية الفيديو المساعد (VAR) لأكثر من ثلاث دقائق قد اختبر قدرة المهاجم على التحمل. ومع ذلك، تأكدت مكانته كنجم عالمي في الشوط الثاني.
تألقت النجمات الفرنسيات في اللحظة المناسبة. صورة: غيتي إيميجز
كان الهدف الافتتاحي في الدقيقة الستين تحفة فنية في إنهاء الهجمات. فمن وضعية ذات احتمالية منخفضة للغاية (0.05 فقط)، حوّل مبابي الكرة إلى هدف بتسديدة بلغت احتمالية تسجيلها بعد التسديدة 0.58. وبعد ست دقائق فقط، مرر كرة حاسمة لعثمان ديمبيلي ليضاعف النتيجة، محطماً بذلك رسمياً عزيمة المغرب على المقاومة.
نظام دفاعي متين وتشكيلة قوية ومتكاملة.
إلى جانب البراعة الهجومية، يعود الفضل في فوز فرنسا إلى حد كبير إلى ثنائي قلب الدفاع دايوت أوباميكانو وويليام صليبا. فقد شكّلا معاً منطقة دفاعية محكمة أمام المرمى، عازلين تماماً أكثر لاعبي المغرب إبداعاً، إبراهيم دياز، الذي اضطر لمغادرة الملعب محبطاً.
مع اقتراب المباراة من نهايتها، استمر تألق التشكيلة الفرنسية القوية. لم تقتصر التغييرات التكتيكية، كتلك التي أجراها مالو غوستو ووارن زاير-إيمري، على الحفاظ على النتيجة فحسب، بل ساهمت أيضاً في رفع مستوى حدة المباراة إلى أعلى مستوياته. لم تفز فرنسا بفضل براعة فردية، بل بفضل نظام لعب متقن وفعّال.
بعد تجاوز التحدي الذي فرضه المغرب، تأهل فريق ديدييه ديشامب مباشرةً إلى الدور نصف النهائي كأحد أبرز المرشحين للفوز بالبطولة. إنّ براغماتيتهم القوية، إلى جانب لحظات من الإبداع، تجعل المنتخب الفرنسي عقبةً لا يمكن تجاوزها أمام أي منافس في كأس العالم هذا العام.
المصدر:
