تأخر الرواتب لـ 40 يوما يفاقم ديون الأسر ويسبب ركوداً في الأسواق

تأخر الرواتب لـ 40 يوما يفاقم ديون الأسر ويسبب ركوداً في الأسواق

بدأت تداعيات تأخر صرف الرواتب تظهر جلياً في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين وحركة الأسواق المحلية، فمع وصول الأزمة إلى يومها الأربعين، لا تزال مستحقات شريحة واسعة من موظفي الدولة عالقة بسبب أزمة السيولة، مما أدى إلى تراكم الإيجارات والفواتير والديون، وبينما يضطر البعض للاقتراض لتأمين القوت الأساسي لأسرهم، يلجأ آخرون لتقليص مشترياتهم، في وقت يترقب فيه التجار عودة الزبائن، مما وسع دائرة الضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن والسوق على حد سواء.

معاناة يومية وخيارات صعبة

يصف موظف الدولة سرمد العلي حجم الضغوط التي يعيشها نتيجة تأخر راتبه لأكثر من شهر، مشيراً إلى أنه لولا العلاقة الشخصية مع صاحب المنزل لربما تعرض للطرد بسبب تأخر الإيجار، وأوضح في حديثه لـ “أقرأ نيوز 24” أن هذه الأزمة وضعته أمام خيارات قاسية، منها الاستدانة من المقربين وتأجيل الالتزامات الضرورية، مؤكداً أن الراتب حتى في حال صرفه في موعده لم يعد يكفي لتغطية تكاليف المعيشة المرتفعة من مواد غذائية ونقل وإيجارات، كما أضاف أن غياب موعد محدد للصرف يجعل الأسرة عاجزة عن التخطيط المالي، مما دفعهم لشراء الضروريات فقط وبكميات محدودة، محذراً من أن هذه الأزمة تجاوزت الموظفين لتصيب الأسواق بالركود نتيجة تراجع القدرة الشرائية، معتبراً تأخير الرواتب تجاوزاً قانونياً يستوجب ترشيد الإنفاق الحكومي وخفض امتيازات المسؤولين لتحسين دخل المواطن.

أرقام ومؤشرات الأزمة المالية

تعكس البيانات التالية حجم الالتزامات المالية الضخمة للدولة العراقية وتأثير نقص السيولة على الدورة الاقتصادية:

البند / الفئة القيمة / العدد التقديري
عدد موظفي الدولة أكثر من 4.2 مليون موظف
عدد المتقاعدين تتجاوز 3 ملايين شخص
حالات شبكة الحماية الاجتماعية أكثر من 3 ملايين حالة
إجمالي التزامات موازنة 2025 نحو 90 تريليون دينار
السيولة الشهرية المطلوبة للرواتب نحو 7.8 تريليون دينار
السيولة التي تم ضخها فعلياً نحو 3.2 تريليون دينار

الرؤية الحكومية والحلول المطروحة

ناقش وزير المالية فالح الساري مع اللجنة المالية النيابية مقترحاً لجدولة الرواتب في حال استمرار الأزمة المالية، وفي هذا السياق، صرح النائب حسين عرب لـ “أقرأ نيوز 24” أن الوزارة قد تضطر لهذا الإجراء بسبب ارتباط الموازنة بنسبة 90% بتصدير النفط، والتحديات المرتبطة بمضيق هرمز، موضحاً أن الجدولة ستستهدف الفئات الأكثر هشاشة مثل المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، معرباً عن تفاؤله بانفراج الأزمة في حال استقرار حركة التصدير النفطية التي تبلغ أكثر من 4.5 مليون برميل يومياً، كما أشار إلى وجود خلل في سلم الرواتب وعدم تناسقها بين الوزارات، مقترحاً عدة حلول استراتيجية منها:

  • تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على النفط.
  • إصدار الدينار الإلكتروني لتسهيل العمليات المالية.
  • إيجاد حلول تقنية لتطوير الإدارة المالية مستقبلاً.

تحليل اقتصادي: خلل هيكلي لا أزمة عابرة

يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن تأخر الرواتب ليس مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل هو مؤشر على خلل عميق في إدارة المالية العامة، خاصة مع تضخم النفقات التشغيلية وضعف الإيرادات غير النفطية، وأكد في حديثه لـ “أقرأ نيوز 24” أن هذا الوضع يكشف هشاشة الهيكل المالي للدولة، حيث يؤدي تأخر الرواتب إلى ضغط مباشر على القدرة الشرائية وتراجع الطلب على السلع والخدمات، مما ينذر بدخول قطاعات التجزئة والمطاعم والنقل والعقارات في حالة ركود خانق، محذراً من أن لجوء الأسر للاقتراض يحول دخلهم المستقبلي إلى خدمة ديون بدلاً من الاستهلاك، مما يحول المشكلة من أزمة موظف إلى أزمة استقرار اقتصادي كلي.

سبل المعالجة والواقع الاجتماعي

يقترح الباحث أحمد عيد مجموعة من الحلول الواقعية للخروج من هذا المأزق، مؤكداً أن جدولة الرواتب ليست حلاً اقتصادياً سليماً لأنها تنقل الأزمة من الحكومة إلى الأسرة والسوق، ويرى أن الحل يكمن في:

  • إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي وضبط النفقات غير الضرورية.
  • تعظيم الإيرادات غير النفطية وتحسين آليات الجباية والجمارك.
  • مكافحة الهدر والفساد المالي وإدارة السيولة بكفاءة على مدار العام.

وعلى الصعيد الاجتماعي، أعاد المواطنون تداول تصريحات سابقة لبعض النواب ورجال الدين حول “التضحية بالراتب من أجل الكرامة”، معتبرين إياها استخفافاً بمعاناتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ومؤكدين أن الكرامة الحقيقية تبدأ من ضمان حق الموظف في راتبه مقابل عمله، ومن جانبها، أكدت غرفة تجارة بغداد عبر رئيسها رشيد السعدي وجود ركود تجاري ملموس، حيث أن ضخ 3.2 تريليونات دينار فقط من أصل 7.8 تريليونات المطلوبة شهرياً لا يكفي لتحريك العجلة الاقتصادية، خاصة وأن الإنفاق الحكومي يمثل العمود الفقري للدورة التجارية في العراق.