سيسجل التاريخ أن ليلة دالاس الحزينة شهدت دموعًا ووداعًا موندياليًا باهتًا، لكنها شهدت أيضًا حقيقة تكتيكية حاول الملايين التغاضي عنها لسنوات.
مع إطلاق الحكم صافرة النهاية وإعلان خروج البرتغال، انطلقت الآلة الإعلامية والجماهيرية المعتادة في البحث عن كباش فداء لتعليق المأساة عليهم.
لاموا روبرتو مارتينيز على خياراته، وانتقدوا برونو فرنانديش وجواو فيليكس على قلة إمداداتهم، وصبوا جام غضبهم على كل من ارتدى قميص البرتغال، تاركين وراءهم تساؤلاً جوهريًا تخشى العاطفة الإجابة عنه: أين يقع لوم كريستيانو رونالدو فيما آل إليه حاله وحال فريقه؟
الحقيقة القاسية التي يهرب منها عشاق الدون هي أن رونالدو الحالي لم يعد يمثل ولو ربع الرجل الذي كان عليه وما كان عليه من قوة تدميرية خارقة عرفناها في ريال مدريد.
السن له أحكامه التي لا ترحم، وكرة القدم الحديثة تحولت إلى صراع بدني شرس يتطلب الضغط العالي، والتحرك المستمر، وتبادل المراكز السريع، وهي أدوات لم يعد رونالدو يمتلكها بنفس الكفاءة في سن الـ 41.
الإصرار على الوجود في عمق الصندوق كمهاجم كلاسيكي ثابت لم يخدم الفريق، بل كبله، لقد تحولت البرتغال من مجموعة حلول مرنة يمتلكها جيل ذهبي مرعب، إلى كتاب مفتوح ومباشر للمنافسين، حيث يتمحور كل شيء حول إيصال الكرة إلى لاعب واحد معزول، مما سهل على دفاع الخصوم منذ سنوات خنق المنظومة الهجومية بالكامل.
حين نصف ما حدث بأنه “اختطاف” كما قال إبراهيموفيتش، فنحن نتحدث عن حرمان أسماء بحجم جواو فيليكس وبرونو فيرنانديش من المساحات الحيوية للابتكار والتحرك في العمق، لأن المنظومة مجبرة طوال 90 دقيقة على الطاعة الفنية لمركزية النجم الواحد.
نعم، يلام مارتينيز على غياب الشجاعة لإجلاسه بديلًا، لكن السطوة التاريخية لرونالدو هي من فرضت هذا الواقع.
الشجاعة الحقيقية في الرياضة ليست في مواصلة الركض وراء بريق قديم، بل في معرفة الوقت المناسب للترجل من على ظهر الحصان للحفاظ على إرث أسطوري عظيم، بدلاً من تحويل الوجود المونديالي إلى مشاركات لا قيمة لها تدفع المجموعة بأكملها ثمنها.
بيت القصيد
الهجوم الضاري على نجوم الوسط والدفاع والهجوم والمدرب ليس سوى هروب عاطفي ومحاولة لمنح رونالدو حصانة تاريخية ضد النقد التكتيكي.
نعم قد يكون رونالدو قد اكتسب ذلك الحق بفضل كل تلك السنوات التي أمضاها في الملاعب وقدم فيها كل ما لديه، لكن المنظومة البرتغالية لم تخذل قائدها هذه حقيقة لا يجب أن تتغير لمجرد علو صوت من يسرد غيرها.
بل إن رغبته في فرض نفسه أساسيًا رغم تراجع عطائه البدني هي من خنقت إبداع رفاقه وجعلتهم يبدون عاجزين.
لا أتجنى على أحد أساطير كرة القدم عبر التاريخ هنا، لكن مراجعة سريعة لمصير فيرناندو سانتوش الذي جرأ وأجلسه على مقاعد البدلاء في 2022 ونظرة على رد فعله على تبديله أمام كرواتيا في وقت لم تكن المباراة فيه قد حُسمت بل وتتجه للأوقات الإضافية، نظرة بسيطة على تلك اللقطات وما تلاها من لعبه 90 دقيقة كاملة أمام منتخب إسباني أكثر تنظيمًا وضغطًا من كرواتيا تجعلنا نتأكد أن رونالدو حقًا هو من فرض نفسه على تلك التشكيلة بهذه الكيفية.
لقد حان الوقت للاعتراف بأن مجاملة التاريخ على حساب الحاضر كلفت البرتغال فرصة حقيقية للمنافسة، وأن المسؤول الأول عن هذه النهاية الدرامية الحزينة في تكساس هو كريستيانو نفسه، الذي لم يمتلك شجاعة التوقف في الوقت المناسب.
