اقتصاد

كيف تحولت القهوة السعودية من موروث الفنجال التقليدي إلى صناعة عالمية رائدة تغزو الأسواق الدولية

قبل أن ترفع فنجال القهوة السعودية إلى فمك، ربما يستحق الأمر أن تتوقف للحظة، فما بين حبات البن والدلة التي استقرت لعقود طويلة في صدر المجالس السعودية، قصة أكبر بكثير من مجرد مشروب اعتاد السعوديون تقديمه لضيوفهم.

إنها حكاية هوية وثقافة واقتصاد وزراعة واستثمار، وقصة منتج سعودي انتقل خلال سنوات قليلة من كونه تفصيلاً يومياً في مراسم الضيافة، إلى مشروع وطني استراتيجي تتكامل فيه جهود الثقافة والزراعة والاستثمار وريادة الأعمال والسياحة.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول الجذري، حيث أصبحت المملكة من أكبر الدول استهلاكاً للقهوة عالمياً، بالتوازي مع توسع زراعة البن محلياً لتتجاوز أعداد الأشجار المثمرة 1.3 مليون شجرة، في حين عزز صندوق الاستثمارات العامة هذا التوجه عبر شركة متخصصة تستهدف استثمار 1.2 مليار ريال لرفع الطاقة الإنتاجية للبن السعودي.

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف تحول فنجال البن السعودي من مجرد عادة اجتماعية متوارثة عبر القرون، إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني الجديد؟.

لغة الضيافة ورمز الهوية الوطنية

من الخطأ اختزال القهوة السعودية في مذاقها فقط، فهي في الثقافة المحلية لغة تواصل قائمة بذاتها، تشمل طريقة الإعداد، وترتيب التقديم، وأصول إمساك الفنجال وهزه، وأسبقية الضيف، وحتى مقدار القهوة المصبوبة، مما يشكل منظومة اجتماعية تراكمت عبر الأجيال.

عبارة “خذ فنجال” تتجاوز مفهوم شرب القهوة، لتصبح دعوة صريحة للترحيب والكرم والمودة وفتح آفاق الحديث، فهي تعني باختصار: “أنت ضيفنا الكريم، تفضل بمشاركتنا هذه اللحظة”.

لذلك، لم يكن إعلان وزارة الثقافة عام 2022 عن “عام القهوة السعودية” مجرد حملة ترويجية، بل جاء ترسيخاً للقهوة كعنصر أصيل من عناصر الهوية الوطنية، ورمزاً للكرم السعودي، ومنتجاً ثقافياً يتم تقديمه للعالم، بهدف تعزيز مكانتها محلياً ودولياً، وتسليط الضوء على “البن الخولاني السعودي” كمنتج وطني فريد.

وقد تكللت هذه الجهود باعتماد وزارة الثقافة ووزارة التجارة تسمية “القهوة السعودية” في المقاهي والمطاعم، لتعزيز الارتباط بين المنتج والهوية، مع مراعاة التنوع الثقافي والجغرافي للمملكة، حيث تختلف درجات التحميص والإضافات من الهيل والمسمار إلى الزعفران والزنجبيل، لتعكس كل منطقة خصوصيتها وتراثها الفريد.

الذهب الأخضر والاعتراف العالمي

لا تبدأ القهوة السعودية من المقهى، بل من عمق الأرض، حيث تمتد زراعة البن الخولاني في جنوب المملكة لأكثر من 300 عام، مرتبطة بالمدرجات الجبلية في جازان وعسير والباحة، والتي توارثت أسرار زراعتها جيلاً بعد جيل.

وتشير بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة لعام 2026 إلى توسع ملحوظ في الإنتاج المحلي، وهو ما يوضح الجدول التالي:

المنطقة عدد الأشجار المثمرة الإنتاج السنوي (بن صافي)
جازان 966,000 شجرة 642 طن
عسير 243,000 شجرة 175 طن
المجموع العام (شامل الباحة ومكة ونجران) 1.3 مليون شجرة 870 طن

هذه الأرقام تؤكد أننا أمام محصول وطني يتوسع ليدعم التنمية الريفية، ويرفع دخل المزارعين، ويخلق منتجات محلية ذات قيمة مضافة، كما حققت المملكة إنجازاً دولياً بإدراج القهوة العربية ضمن التراث الثقافي غير المادي لليونسكو عام 2015، ثم تسجيل “البن الخولاني السعودي” في عام 2022، مما يعني الاعتراف العالمي بمنظومة معرفية وثقافية متكاملة ترتبط بالزراعة والحصاد والعادات المتوارثة.

استثمارات مليارية لبناء صناعة عالمية

في خطوة اقتصادية استراتيجية عام 2022، أطلق صندوق الاستثمارات العامة “الشركة السعودية للقهوة”، بهدف بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من المزرعة وصولاً إلى المستهلك النهائي، وليس مجرد إطلاق علامة تجارية جديدة.

ويمكن تلخيص مستهدفات هذه الاستثمارات في الجدول التالي:

البند القيمة / المستهدف المدى الزمني / الهدف
حجم الاستثمار 1.2 مليار ريال خلال 10 سنوات
القدرة الإنتاجية من 300 طن إلى 2500 طن زيادة الإنتاج السنوي
نطاق العمل الزراعة، التحميص، التسويق تأسيس أكاديمية تدريب متخصصة

إن دخول صندوق سيادي بهذا الحجم يعني بناء اقتصاد متكامل يشمل الشتلات، والمحامص، والتعبئة، والتصدير، وحتى التجارب السياحية، خاصة مع نمو استهلاك القهوة في المملكة بنسبة تتراوح بين 4% و5% سنوياً، حيث يتجاوز الاستهلاك الكلي 80 ألف طن سنوياً، مما يخلق فجوة بين الإنتاج والاستهلاك تمثل فرصة ذهبية لرواد الأعمال والمزارعين لتقليل الواردات وزيادة القيمة المحلية.

الدبلوماسية الثقافية وتجربة الجيل الجديد

شهد المشهد الحضري في المدن السعودية تحولاً كبيراً، حيث أصبحت القهوة جزءاً من نمط الحياة اليومي، وبرزت مئات العلامات التجارية الوطنية التي تتنافس في جودة التحميص وتصميم التجربة، فيما بدأ الجيل الجديد بإعادة اكتشاف القهوة السعودية من منظور “القهوة المختصة”، والاهتمام بمصدر الحبة وارتفاع المزرعة وطريقة المعالجة.

ولم يتوقف الطموح عند السوق المحلية، بل امتدت فعاليات وزارة الثقافة إلى عواصم عالمية مثل باريس ولندن وروما ونيويورك، بالإضافة إلى حضور بارز في إكسبو دبي والمؤتمر العالمي للجوال في برشلونة، وهي ممارسة ذكية لـ “الدبلوماسية الثقافية” تهدف لبناء قوة ناعمة تربط اسم السعودية بالكرم والأصالة، تماماً كما فعلت إيطاليا بالإسبريسو واليابان بالشاي.

اقتصاد الفنجال وآفاق السياحة الريفية

خلف كل فنجال قهوة “اقتصاد خفي” يتكون من حلقات مترابطة تزيد من قيمة المنتج، وتتمثل هذه السلسلة في:

  • المزارع الذي يرعى الشجرة والحاصد الذي يجمع الثمار.
  • منشآت معالجة البن والمحامص المتخصصة.
  • شركات التصميم والتعبئة ومصانع أدوات التقديم.
  • المقاهي، الباريستا، منصات التوصيل، وصناع المحتوى الرقمي.
  • السياح الراغبون في استكشاف مزارع البن.

وتبرز هنا فرصة واعدة في تحويل المدرجات الزراعية في جازان وعسير والباحة إلى وجهات سياحية ريفية، تتيح للزائر تجربة قطف البن، ومعالجته، وتحميصه، وصولاً إلى تذوقه في موطنه الأصلي، مما يحول الفنجال من مجرد مشروب إلى بوابة لرحلة ثقافية متكاملة.

إن التحدي القادم يكمن في الحفاظ على الجودة وتوحيد المعايير لإيصال “البن الخولاني السعودي” إلى الأسواق العالمية كمنتج نوعي عالي القيمة، ليكون علامة فارقة يعرفها عشاق القهوة في العالم، وبذلك ندرك في المرة القادمة أن خلف هذا الفنجال ثلاثة قرون من الزراعة، وتراثاً مسجلاً دولياً، واستثمارات مليارية، وقبل كل شيء، قلب مجتمع يرى في القهوة أجمل طريقة لقول: “أهلاً بك”.

زر الذهاب إلى الأعلى