في الوقت الذي دشنت فيه المملكة العربية السعودية، في 30 يوليو الماضي، تحالفًا دفاعيًا بحريًا يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي وحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، بمشاركة 14 دولة وبحضور ممثلين عن 43 بلدًا والاتحاد الأوروبي، تشير تسريبات وتصريحات مصرية غير رسمية إلى حالة من عدم الحماس في القاهرة للانضمام الفوري لهذا التحالف، متذرعة بضرورة دراسة الموقف ومراجعته برلمانيًا.
ويأتي تأسيس هذا التحالف في أعقاب إعلان جماعة الحوثي، في 20 يوليو الماضي، فرض حصار بحري على السعودية في البحر الأحمر، وتبني سلسلة من الهجمات ضد سفن مرتبطة بالمملكة، والتي ردت بدورها بشن غارات جوية استهدفت منشآت عسكرية للحوثيين في مدينة الحديدة اليمنية، وفق ما نقلته “فرانس برس”.
وقد سبقت هذه التوترات إعلانات من عملاقي النقل البحري “ميرسك” و”هاباغ لويد” في أوائل يوليو، حول استئناف إحدى خدماتهما الملاحية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، إلا أن استمرار الاضطرابات ينذر بتراجع الشركتين الدنماركية والألمانية عن هذا القرار والعودة لاستخدام طريق رأس الرجاء الصالح، مما يعمق الخسائر المالية لقناة السويس المصرية.
| البند | القيمة/التفاصيل |
|---|---|
| إجمالي خسائر قناة السويس | نحو 10.5 مليار دولار (حسب تصريح وزير الخارجية المصري) |
| تاريخ التصريح | 4 يوليو الماضي |
| السبب الرئيسي | التوترات الإقليمية وتراجع حركة الملاحة |
تردد مصري يثير التساؤلات
على الرغم من مشاركة مصر، إلى جانب تركيا وباكستان والسودان وجيبوتي، في البيان الذي أيد إنشاء “تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات”، إلا أن المملكة تظل هي الدولة المؤسسة والقائدة والمستضيفة لمقره، وفي هذا السياق نقلت وكالة أنباء “الشرق الأوسط” عن مصدر مصري أن مشاركة القاهرة “قيد الدراسة والتقييم”، ومرتبطة بـ”المراجعة القانونية والدستورية”، بانتظار “استيفاء الإجراءات”، وعلى رأسها موافقة مجلس النواب.
هذا الموقف يثير تساؤلات جوهرية حول أسباب التردد المصري، رغم الأهمية الاستراتيجية للتحالف في حماية مضيق باب المندب وحرية الملاحة، وهو ما ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس التي تعاني من خسائر فادحة، مما ألقى بظلاله على اقتصاد مصري يواجه أزمات بنيوية وهيكلية حادة.
وفي مفارقة ملحوظة، شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا كبيرًا بين مصر وثلاث من الدول المؤسسة للتحالف وهي السعودية وباكستان وتركيا، وسط أنباء عن تنسيق سياسي ودفاعي مشترك يهدف لدعم الاستقرار، حيث يجمع هذا التنسيق بين الثقل المالي السعودي، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، والصناعات الدفاعية التركية، والوزن الإقليمي المصري.
دوافع التحفظ المصري على التحالف
يرى مراقبون أن مخاوف القاهرة تنبع من طبيعة التحالف الذي تقوده السعودية، خاصة مع غياب الإمارات وسلطنة عمان اللتين كسرتا الإجماع الخليجي، فضلًا عن حضور دول غير مشاطئة للبحر الأحمر مثل تركيا وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا، وهو أمر ترفضه القاهرة مبدئيًا، مؤكدة في مناسبات عدة رفضها لفرض أي ترتيبات أمنية من قبل دول غير مطلة على البحر، معتبرة أن تأمينه مسؤولية حصرية للدول المشاطئة.
وبينما يضم التحالف دولًا مطلة مثل الأردن والسودان واليمن وجيبوتي والصومال، يرى محللون أن هذا التجمع يمثل دعمًا مباشرًا للسعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين باستهداف المنشآت النفطية، مما يزيد المخاوف من إغلاق مضيق باب المندب وتضرر التجارة العالمية، بما في ذلك النفط السعودي الذي يُصدر عبر مسارات بديلة تشمل الموانئ المصرية.
وفيما يعتبر البعض أن هذا التردد يمثل تراجعًا عن دعم الرياض في أزمتها، أكد متحدثون لموقع “أقرأ نيوز 24” رفض مصر القاطع للانخراط في صراع مباشر مع جماعة الحوثي أو إيران، خاصة مع التقارير التي تشير إلى أن التحالف السعودي ليس ترتيبًا عسكريًا مؤقتًا، بل مشروع لإعادة هندسة الأمن البحري وبناء ردع جماعي دائم.
الاستراتيجية المصرية والبوصلة الأمنية
تتبع القاهرة سياسة تهدف لتجنب الانجرار نحو التصعيد، مفضلة حل الأزمات عبر التفاوض وفتح قنوات اتصال مع طهران والحوثيين، وهو ما أكده بيان “الهيئة العامة للاستعلامات” في 30 يوليو، حيث تتبنى مصر مسارًا دبلوماسيًا وأمنيًا متعدد الأبعاد لاحتواء تداعيات الحرب ومنع امتدادها إلى عمق المنطقة العربية.
وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور محمد الزواوي، الباحث والأكاديمي المصري، في تصريحات لـ “أقرأ نيوز 24″، أن التوجه الاستراتيجي المصري يقوم على:
– الدخول في تحالفات تتوافق مع العقيدة القتالية المصرية.
– تجنب خوض حروب خارج الإقليم.
– عدم الدخول في تحالفات تؤدي لصراعات داخل العالم الإسلامي.
– الاعتماد على الوسائل السلمية والدبلوماسية في التعامل مع إيران.
وأضاف الزواوي أن هذا التحالف قد يُفهم على أنه موجه ضد إيران بشكل مباشر، وهو ما تسعى مصر لتجنبه للحفاظ على دورها كطرف يسعى لوقف الحرب، معتبرًا أن التذرع بمراجعة البرلمان هو وسيلة “لحفظ ماء الوجه” وتجنب إغضاب الحليف السعودي، خاصة في ظل إعادة تشكيل المنطقة وغياب التنسيق العربي الكامل. كما يرى أن البوصلة المصرية تتجه أساسًا نحو مواجهة الخطر الإسرائيلي، الذي تعتبره التهديد الأكبر والأقرب، مقارنة بالخطر الإيراني.
أبعاد اقتصادية وسياسية معقدة
من جانبه، لخص الدكتور مصطفى الجمال، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، في حديثه لـ “أقرأ نيوز 24″، أسباب الموقف المصري في ثلاث نقاط رئيسية:
– صعوبة قبول مصر عضوية تحالف تقوده دولة عربية أخرى.
– المخاوف من نتائج غير مضمونة قد توسع دائرة الحروب الإقليمية التي لا تملك مصر القدرة الاقتصادية لخوضها.
– إدراك خطورة سيطرة الحوثيين على باب المندب، مما يجعل خيار التفاوض السري مع إيران والحوثيين أكثر أمانًا لحماية إيرادات قناة السويس.
كما أشار الجمال إلى أن دخول دول غير مشاطئة في التحالف يُعد “تدويلًا” للنفوذ على حساب الدور المصري المفترض، لافتًا إلى تعقيد العلاقة مع الإمارات التي تتراوح بين التنافس في ملفات ليبيا والسودان وإثيوبيا، وبين الاعتماد على الاستثمارات والعمالة.
وفي السياق ذاته، يرى السياسي المصري محمد عباس، في تصريحاته لـ “أقرأ نيوز 24″، أن القاهرة لا تريد الظهور بمظهر المساند لإسرائيل في ظل اضطرابات المنطقة، سواء في غزة أو السودان أو المواجهة الأمريكية الإيرانية، مؤكدًا أن الانضمام للتحالف قد يمد المواجهة لتصل إلى مضيق هرمز.
وأكد عباس أن مصر تفضل دور الوسيط، خاصة بعد حادثة الهجوم بمسيرة على ميناء دمياط في 29 يوليو، والتي دفعت القاهرة لإعادة حساباتها، مشيرًا إلى أن أي تواجد عسكري مصري حاليًا، كما في حالة المفرزة الجوية بالإمارات، هو دعم رمزي فقط، بينما الانضمام لتحالف بحري سيكون فعلًا عسكريًا واضحًا ضد مكون يمني، وهو مشهد تحرص مصر على تجنبه تمامًا.
