ساهم عامل غير متوقع في تجنب العالم لصدمة نفطية.

عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران مطلع هذا العام، طرح العديد من خبراء الطاقة سيناريو مقلقاً. فإذا ما تعطل مضيق هرمز – وهو ممر ملاحي لما يقرب من 20% من النفط التجاري العالمي – لفترة طويلة، فقد ترتفع أسعار النفط إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وخطر حدوث ركود عالمي.
خزانات تخزين النفط والغاز في ميناء بمدينة تشوهاي الصينية. صورة: رويترز
لكن ذلك لم يحدث. فرغم أشهر من القتال والمخاطر المستمرة التي تهدد الملاحة عبر مضيق هرمز، ظلت أسعار خام برنت دون 100 دولار للبرميل. ولم يشهد الاقتصاد العالمي صدمة الطاقة التي كان يخشاها الكثيرون.
يعود جزء من السبب إلى الزيادة الحادة في صادرات النفط الأمريكية. لكن هناك عامل آخر أقل وضوحاً يتمثل في الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم .
شهدت واردات الصين من النفط انخفاضاً حاداً في الأشهر الأخيرة، من حوالي 11 مليون برميل يومياً إلى أقل من 8 ملايين برميل يومياً. وهذا يعني أن ما يقارب 3 ملايين برميل من النفط يومياً قد “اختفت” من الطلب العالمي، أي ما يعادل الاستهلاك اليومي المشترك للنفط في فرنسا وإيطاليا.
على الرغم من هذا الانخفاض الكبير، لم يتسبب في اضطرابات كبيرة للاقتصاد الصيني. ويعود جزء من السبب إلى أن بكين كانت قد راكمت كميات كبيرة من النفط الرخيص من روسيا وإيران قبل اندلاع النزاع، مما سمح لها بتقليص الواردات مؤقتًا دون التأثير بشكل كبير على الإنتاج والاستهلاك.
لكن احتياطيات النفط ليست سوى جزء من القصة.
والأهم من ذلك، أن الاقتصاد الصيني يغير تدريجياً طريقة استهلاكه للطاقة.
لعقود طويلة، كان النمو الاقتصادي في الصين مرتبطاً بشكل شبه دائم بارتفاع الطلب على النفط. لكن ثورة السيارات الكهربائية وكهربة الاقتصاد تُغير هذه العلاقة.
قد يعجبك أيضاً
خلال عطلة شهر مايو، ارتفع عدد نقاط شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة بأكثر من ٥٠٪ مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. وتحلّ السيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة تدريجياً محلّ بعض السيارات التي تعمل بالبنزين والرحلات الجوية القصيرة. وهذا يُسهم في جعل الطلب على الطاقة في قطاع النقل أقل اعتماداً على النفط مما كان عليه سابقاً.
يمثل هذا اختلافاً كبيراً عن الصدمات السابقة في أسعار النفط. فبينما كان ارتفاع أسعار النفط يؤثر بشكل مباشر على السفر والإنتاج في السابق، أصبح لدى الاقتصاد الصيني اليوم بدائل أكثر بفضل كهربة وسائل النقل وتطوير البنية التحتية الحديثة للنقل.
تتجاوز تداعيات هذا التحول حدود الصين بكثير. فبينما كان نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم قبل عقد من الزمن مرادفاً تقريباً لارتفاع الطلب على النفط، فإن هذه العلاقة تتلاشى الآن. ولعل هذه أوضح إشارة حتى الآن إلى أن التحول في قطاع الطاقة بدأ يُغير قواعد التشغيل التقليدية لسوق النفط العالمي.
لكن القصة ليست وردية تماماً.
لا يُستخدم جزء كبير من النفط المستورد إلى الصين في النقل، بل في صناعة البتروكيماويات. ويساهم خفض الطاقة الإنتاجية في العديد من المصافي ومصانع البتروكيماويات في تقليل الطلب على الواردات على المدى القصير، ولكنه قد يزيد من تكاليف الإنتاج على المدى الطويل. وإذا استمر هذا التوجه، فقد تتأثر الميزة التنافسية للمصدرين الصينيين من حيث التكلفة.
وهذا هو أيضاً السؤال الأكبر الذي يواجه السوق حالياً: إلى متى يمكن للصين أن تستمر في خفض واردات النفط؟
يعتقد بعض الخبراء أن بكين ستضطر قريباً إلى العودة إلى السوق لتجديد الإمدادات استعداداً لفصل الصيف، حيث يزداد الطلب على الإنتاج والنقل. لكن يرى آخرون أن الاحتياطيات الحالية كافية لدعم هذا الوضع لعدة أشهر أخرى.
بغض النظر عن السيناريو، فقد سلطت الأزمة الحالية الضوء على حقيقة جديرة بالملاحظة.
لطالما نظر العالم إلى الصين باعتبارها القوة الدافعة وراء ارتفاع أسعار السلع العالمية، وذلك بسبب الطلب الهائل من ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لكن هذه المرة، كان تباطؤ الطلب الصيني هو ما ساهم في إبقاء أسعار النفط أقل من المتوقع، وتجنب صدمة طاقة حادة للاقتصاد العالمي.
قد يعجبك أيضاً
تقنية جديدة لعلاج السرطان لا تتطلب تناول الأدوية.أفاد مراسل وكالة الأنباء الفيتنامية في تل أبيب أن باحثين في معهد التخنيون للتكنولوجيا في إسرائيل أعلنوا مؤخرًا عن تقنية جديدة لعلاج السرطان قادرة على تثبيط نمو الورم دون استخدام الأدوية أو العلاج الكيميائي أو الأجسام المضادة. ويُعتقد أن هذا الإنجاز يفتح آفاقًا جديدة في علاج السرطان.
والأهم من ذلك، أن مرونة سوق النفط هذه المرة لا تنبع فقط من زيادة الإمدادات من الدول المنتجة، بل أيضاً من تحول في أنماط استهلاك الطاقة لدى أكبر مستورد للنفط في العالم.
لعقود، كلما تسارع نمو الاقتصاد الصيني، انتاب سوق النفط العالمي قلقٌ من خطر نقص الإمدادات. لكن الأزمة الحالية تكشف عن واقع جديد: ثاني أكبر اقتصاد في العالم بات تدريجياً عاملاً في تخفيف الضغط على أسواق الطاقة.
وقد يكون ذلك مؤشراً مبكراً على أن التحول في قطاع الطاقة بدأ يُغير موازين القوى في سوق النفط العالمية. ففي المستقبل، قد لا يقتصر تأثير الصين على أسعار النفط العالمية على زيادة استهلاكها فحسب، بل قد يشمل أيضاً انخفاضه.
المصدر:



![[كأس العالمTM] كندا ضد البوسنة بث مباشر عبر الإنترنت 12 يونيو 2026](https://pls48.net/wp-content/uploads/2026/06/كأس-العالمTM-كندا-ضد-البوسنة-بث-مباشر-عبر-الإنترنت-12.png)
