هل يصبح النصر العسكري شرطًا لانتصار انتخابيّ؟

هل يصبح النصر العسكري شرطًا لانتصار انتخابيّ؟
بقلم: المحامي زكي كمال
11-06-2026 11:03:36
اخر تحديث: 12-06-2026 11:08:00
بين البحث عن النصر في ميدان الصراع وانتصار في صناديق الاقتراع تدور الأحداث والتطوّرات الأخيرة في الولايات المتّحدة بكل ما يتعلّق بالحرب مع إيران، واستمرار المفاوضات معها سعيًا إلى اتّفاق نهائيّ لوقف إطلاق النار يمكن للرئيس
المحامي زكي كمال دونالد ترامب تسويقه على أنه انتصار له، وأنه تحقيق تامّ لأهدافه المعلنة، رغم ضبابيّتها وعدم وضوحها، بل حتى كونها متناقضة ومتغيِّرة، ما يمكنه من إرضاء الناخبين في الانتخابات النصفيّة. وهي الانتخابات التي ستجرى في الثالث من تشرين الثاني القريب، وعرضها على أنها ضمن إنجازاته ليس فقط تلك المتعلّقة بالسياسة الخارجيّة وحلّ الأزمات العالميّة وإنهاء الحروب، حيث يتباهى بإحلال السلام في سبع حروب على حدّ قوله، بعضها من نسج الخيال والبعض الآخر من صنيع يديه خاصّة في إيران وفنزويلا، بل عرضها كإنجاز داخليّ يتجلّى في خفض أسعار الطاقة مع وصولها إلى قرابة مئة دولار وأكثر وخفض الإنفاق العسكريّ مع وقف حرب تكلّفه بشكل مباشر مليارات الدولارات أسبوعيًّا، ناهيك عن مبالغ طائلة هي ثمن الأسلحة التي تقدّمها بلاده لإسرائيل، وهو الحال كذلك تمامًا بالنسبة للتطوّرات والأحداث الأخيرة وإسرائيل، بكل ما يتعلّق بالشأنين الإيرانيّ واللبنانيّ، وتحديدًا بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي بات واضحًا وربما بشكل يثير القلق، أنه يبحث عن نصر في الميدان، ميدان الصراع، مع إيران وغزة ولبنان، يمكنه تسويقه على أنه النصر المطلق الذي كرّره مئات المرّات منذ السابع من أكتوبر 2023، بكل تفاصيله، وسنوردها بحذافيرها لاحقًا، آملًا أن يقوده ذلك إلى انتصار في صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانيّة التي ستُجرى كما يبدو في العشرين من أكتوبر 2026، أي قبل أسبوعين من انتخابات ترامب النصفيّة.
إدارة ترامب تجد نفسها، هذا الأسبوع خاصّة أمام خيارات صعبة يمكن القول إن حلوها مرّ، خاصّة بعد الدفعة الصاروخيّة الإيرانيّة الأخيرة على إسرائيل والتي كانت في نظر إيران، الردّ الملائم على قصف مواقع في الضاحية الجنوبيّة في العاصمة اللبنانيّة بيروت، فترامب الذي يصرّ في معظم تصريحاته الأخيرة على تفضيل الخيار الدبلوماسيّ، واحتواء الأزمة مع إيران، دون التنازل عن التهديد المشروط وملخّصه تأهب الجيش الأمريكيّ لاستخدام القوّة العسكريّة، واجه هذا الأسبوع مرة أخرى، يبدو أنها لن تكون الأخيرة، ما يمكن تسميته، بعبارات لطيفة ودبلوماسيّة ضرورة ضبط سلوك وردود إسرائيل سواء كان ذلك في إيران أو لبنان، وإبقاءها بمستوى المعقوليّة وإمكانية التحمل، الذي يمنع التوجّه أو التدهور إلى حرب ومواجهة عسكريّة مفتوحة تشكّل تكرارًا لسيناريو الحربين على إيران في حزيران 2025 او شباط 2026 وخطر أو احتمال نشوب حرب، أو مواجهة مفتوحة لا يريد ترامب، رغم نزقه ونزواته الانزلاق إليها، خاصّة وأنه يعرف أن حربًا أخرى مع إيران أو أي تدخّل عسكريّ لحلّ أزمة النوويّ والصواريخ بعيدة المدى ستكون أكثر حدّة وشدّة وعنفًا وستشمل عمليًّا هجمات إيرانيّة على دول المنطقة بمثابة تصفية حسابات إقليميّة، تأخذ بالحسبان حقيقة واقعة وهي أن الولايات المتحدة وإسرائيل معها، اكتشفتا أن للقوّة حدودًا حتى لو كانت مشتركة، خاصّة مقابل نظام إيرانيّ دينيّ أصوليّ، ومن هنا جاء تصريحه لقناة فوكس نيوز الأمريكيّة والذي أكّد فيه أنه يقول لإيران: “لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي. عودوا إلى طاولة المفاوضات وأبرموا صفقة”، وتصريحه لموقع إكسيوس، حول عدم رغبته في انفجار الوضع بسبب ما حدث هذا الأسبوع، في تأكيد جاء صريح على لسان وزير خارجيته ماركو روبيو صباح الثلاثاء من هذا الأسبوع، حول سعي الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران، أصبح قريبًا، ربما سيشمل بنودًا لا تحبّها ولن ترضى عنها إسرائيل، لكنها سوف تضطرّ إلى قبولها في استمرار لتصريحات ترامب من يوم الإثنين أن نتنياهو سيفعل ما يأمره به بكل ما يتعلّق بالشأن الإيرانيّ، ومعه وكجزء منه اللبنانيّ، وأنه أي ترامب صاحب القول الفصل ومن يتّخذ القرارات، في إشارة واضحة إلى أن ترامب وربما بعد أن اتّضحت حقيقة التقييمات التي عرضت أمامه عشية الحرب مع إيران في الثامن والعشرين من فبراير شباط 2026، واستحالة إسقاط النظام الإيرانيّ وأكثر من ذلك استحالة الاعتماد على قوى إيرانيّة داخليّة، أو القوات الكرديّة لإسقاطه، ناهيك عن اتّضاح عدم جدوى محاولات إخراج اليورانيوم المخصّب بالقوّة، ودون اتّفاق مع السلطات الإيرانيّة، فقد شغفه بالعمليّة العسكريّة، أو استخدام القوّة، وبالتالي أصبح من المرجّح أن يتوجّه إلى أحد سيناريوهين فإما ترك إسرائيل وحدها كما حصل هذا الأسبوع وعدم المشاركة الفعّالة في الردّ العسكريّ على إيران، بل إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، وإعادة أسراب الطائرات الإسرائيليّة التي كانت تستعد لهجوم جديد وأشدّ على إيران يوم الإثنين من هذا الأسبوع، يتعدّى الردّ الإسرائيلي الأولي على الصواريخ الإيرانيّة والذي اكتفى بقصف ما أسمته إسرائيل “منشأة بتروكيماويّة”، وهو التأكيد على أن ما سبق من مجريات الحرب المذكورة، أعاد ترامب إلى ما كان قد أعلنه في بداية ولايته الثانية، وهو إعادة منطقة الشرق الأوسط إلى عهد اتفاقيّات وصفقات السلام، وما انعكس في نسبه لنفسه حقيقة إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في تشرين الثاني نوفمبر 2024، وحتى قبل توليه منصبه رسميًّا، وبعدها اتّفاق وقف إطلاق النار في غزة، وربما بتلميح أمريكيّ بسيط إلى أن نتنياهو قد يسعى إلى عرقلة الاتفاقيّات. وهو بالضبط ما دفعه ووزير خارجيّته إلى التصريح علنًا أن القرار للولايات المتحدة وما على إسرائيل ونتنياهو سوى القبول، وبكلمات ترامب، إن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لن يكون أمامه خيار سوى قبول أيّ اتفاق توافق عليه أمريكا مع إيران، لأنّه هو من يقرّر كل شيء، وبالتالي لن يكون أمامه خيار الرفض، أنا أقرر كل شيء. هو لا يقرّر.
إسرائيل لم تحقّق أي انتصارإسرائيليًّا عامّة، وبالنسبة لنتنياهو تحديدًا واستمرارًا لما سبق، لا يختلف الحال، بل يتطابق في المعطيات، لكنه يتناقض في الاستنتاجات، فإسرائيل اليوم تجد نفسها أمام واقعين لا يثيران التفاؤل حتى باعتراف أقرب المقرّبين إلى نتنياهو ومنهم وزراء في حكومته يؤكّدون أن إسرائيل لم تحقّق أي انتصار، أو نصر مطلق أو أيًّا كان في غزة ولبنان وكم بالحري على إيران، فحركة حماس ما زالت على حالها في غزة رغم الدمار والخراب واغتيال كافّة قياداتها وبعض من يفكّرون بأن يرثوا مناصب قياديّة مستقبليّة، ورغم سيطرة الجيش الإسرائيليّ وباعتراف نتنياهو على 60% من قطاع غزة وطموحه بالسيطرة على 70% منه، وفي لبنان ما زال حزب الله يرفض تسليم سلاحه وليس ذلك فقط، بل إنه يطلق الصواريخ على قرى ومدن شمال إسرائيل ويرسل طائرات مسيَّرة مفخّخة توقع القتلى في صفوف الجنود الذين يتواجدون في الجنوب اللبنانيّ، بينما فشلت جهود الحكومة اللبنانيّة وغيرها في سحب سلاح حزب الله، ورغم إعلان وقف إطلاق النار أو منع الاعتداءات المتبادلة بين إسرائيل ولبنان بعد جولات مفاوضات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، والحال نفسه في إيران، فهي ما زالت قادرة وباعتراف إسرائيل على إطلاق الرشقات الصاروخيّة على إسرائيل متى أرادت وفق معادلات ومبادئ تضعها هي كما حدث مطلع هذا الأسبوع، دون أن تتوقّف نشاطاتها في تطوير الصواريخ بعيدة المدى، أو ترميم ما تعرض من مواقعها العسكريّة ومصانعها العسكريّة، لأضرار خلال الحرب الأخيرة، ودون أن تتنازل عن اليورانيوم المخصّب، وهي فوق ذلك لم تتراجع عن نواياها وتهديداتها بقصف إسرائيل إذا ما قصفت تلك أيّ موقع تابع لحزب الله في الضاحية الجنوبيّة. وهو ما استبعدته إسرائيل مؤكّدة أنه كلام في الهواء، وليس ذلك فقط، بل إن إيران بردّها على قصف الضاحية الجنوبيّة هذا الأسبوع، أكّدت صدق تهديداتها من جهة وخلقت معادلة جديدة قوامها أن قصف الضاحية سيواجه بقصف تل أبيب، ما يعني أن محاولات إسرائيل التفريق والفصل بين جبهات القتال قد باءت بالفشل وليس ذلك بل إنها وحّدتها من إيران إلى الحوثيين وحتى حزب الله في لبنان. وهو موقف يتّفق وما استنتجته واشنطن من أن للقوّة حدودًا وأن القوة لا يمكنها حلّ الأزمة، لكن الاستنتاج الإسرائيليّ يبدو معاكسًا لذلك الأمريكيّ، فهو استنتاج يتحدّث بمنطلق القوّة فالمزيد من القوّة، ويظهر وكأن إسرائيل حتى بردود رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير أَمنه يسرائيل كاتس، ينتظرون الفرصة المواتية لاستئناف القتال سواء كان ذلك مع إيران أو حزب الله في لبنان، أو استئناف الحرب في غزة قبل الانتخابات البرلمانيّة في تشرين الأول القريب، وبالتالي يبحث نتنياهو عن انتصار، أو صورة انتصار عشية الانتخابات ربما تقيه شرّ الاستطلاعات ونتائجها التي لا تبشّر لنتنياهو خيرًا في انتخابات تبدو غريبة هذا إذا ما تمّت أصلًا، يريد اليمين الذي في سدّة الحكم اليوم مواصلة حكمه وتنفيذ مشاريعه من الانقلاب القضائيّ الدستوريّ حتى منع إقامة كيان فلسطينيّ وتشريعات ما أنزل الله بها من سلطان واستمرار تعزيز الاستيطان في الضفة الغربيّة، وسط مواقف لبعض مركّباته حول استيطان في غزة وسوريا ولبنان، بينما يعرض المعسكر المعارض رؤية ومواقف تتّسم بعدم الوضوح وعدم الصراحة وانعدام البديل الشجاع.
انعدام الفوارق في طروحات الأحزاب اليهوديّةحقيقة واحدة لا بدّ من قولها قبيل الانتخابات البرلمانيّة الإسرائيليّة، وهي ذات صلة وثيقة بما يحدث اليوم في لبنان وغزة ومقابل إيران، فالمعارضة الإسرائيليّة لا تعرض أيّ بديل باستثناء ربما حزب الديمقراطيّين، بل تتساوق مع مواقف الحكومة بذريعة الإجماع الوطنيّ والقوميّ، وترفض شراكة المواطنين العرب، ومن هنا فإن لهذه الانتخابات وربما بتأثير الحروب الحاليّة وأولها ما تلا السابع من أكتوبر، لها خصوصيّتها أكثر من أيّ انتخابات سابقة، فهي أوّلًا ووفق مواقف أحزابها من معارضة وائتلاف تؤكّد أنه لم يعد هناك يسار، وربما لا حتى مركز في السياسة الإسرائيليّة، بل إن هناك يمينًا ومن هو أكثر يمينيّة. ومعنى ذلك على أرض الواقع، أن هذه الانتخابات تؤكّد حقيقة سياسيّة وعرقيّة وجغرافيّة وحزبيّة، تشير إلى أن قوة اليمين في إسرائيل لم تعد ومنذ سنوات وخاصّة منذ السابع من أكتوبر لأسباب جديرة بالدراسة العميقة حول منابعها وأسبابها وتجليّاتها، السياسيّة والاجتماعيّة والديمغرافيّة، لم تعد مجرّد قضية انتخابيّة، أو موقف حزبيّ عاديّ، بل أصبحت السمة السائدة، والسيّدة والمسيطرة على المجتمع الإسرائيليّ الذي يتّجه اليوم إلى التطرف السياسيّ والدينيّ والاجتماعيّ الاستيطانيّ، ما ينذر بأمرين أولهما احتمالات الصراع الداخليّ اليهوديّ والذي يؤكّد كثيرون أنه يقترب من الصدام بين اليمين الاستيطانيّ المتديّن والمتطرّف الذي يقدّس الاستيطان والتوراة، ويسمونه “دولة يهودا” وبين اليهود المعتدلين قياسًا بما سبق وصفه الذين يريدون دولة ليبراليّة يسودها نظام ديمقراطيّ حتى لو كان منقوصًا، تتمتّع فيه أجهزة القضاء بالحريّة والاستقلاليّة دون أن تحكمها الشريعة اليهوديّة، بمعنى أن اليمين هو القوّة الثابتة والمسيطرة على زمام الحياة السياسيّة والائتلافيّة والحزبيّة، وهو ما سيتواصل وفق كافّة المؤشّرات في السنوات القادمة، لتصبح الانتخابات تنافسًا بين اليمين واليمين المتطرّف وليس بين معسكري اليمين من جهة واليسار وربما المركز معه من جهة أخرى، خاصّة على ضوء تراجع وربما اختفاء الفوارق في الطروحات بين الأحزاب اليهوديّة، التي تستثني بغالبيتها العظمى أيّ مشاركة للمواطنين العرب وأحزابهم في الحكومة، أو الائتلاف سواء كانوا أعضاء فيه دون مناصب حكوميّة، كما كان الحال عليه في حكومة التغيير برئاسة نفتالي بينيت وبعده يائير لبيد، أو حتى كتلة مانعة كما حدث في عهد حكومة إسحاق رابين مطلع تسعينيّات القرن الماضي، وتزامنًا مع اتفاقيات أوسلو. ومن هنا يمكن الجزم أن المعركة الانتخابيّة القريبة ستؤكّد لمن ما زال يشكّك انعدام الفوارق في طروحات الأحزاب اليهوديّة، وكون الحكومة القادمة ستكون يمينيّة كالحاليّة أو أقل بقليل في أحسن الحالات، وستكون انتخابات تسيطر عليها النقاشات والسجالات المتعلّقة بالسابع من أكتوبر 2023 ومن المسؤول عنه وكيفيّة التحقيق فيه، وبعده المسؤول عن الفشل في الحرب مع إيران وحزب الله، إضافة إلى ما سبق وأشرت إليه من حيث المواقف تجاه المواطنين العرب الذين يشكّل التحريض عليهم منذ اليوم مادّة انتخابيّة دسمة من حزب القوة اليهوديّة ورئيسه إيتمار بن غفير حتى الليكود ومؤيّديه وأبواقه الإعلاميّة، وصولًا إلى نفتالي بينيت وحتى بيني غانتس الذي ما زال حزبه تحت نسبة الحسم الانتخابيّة وفق الاستطلاعات.
قوّة وحدة المعادلة الإيرانيّة الجديدةوبالعودة إلى ما سبق، يبدو أن الفارق الجوهريّ بين أمريكا ترامب وإسرائيل نتنياهو ورغم تشابه المعطيات بالنسبة لإيران ولبنان وحماس، يكمن أوّلًا في اعتراف الولايات المتحدة، حتى لو كان ضمنيًّا أن للقوّة حدودًا، وأن القوّة العسكريّة وحدها ليست قادرة على تغيير المواقف والطروحات الإيرانيّة، رغم كل ما حدث، أو ترسيخ المعادلة التي حاولت أمريكا، بوحي من إسرائيل تكريسها ومفادها أن ما يتأتّى بالقوّة فإنما يتأتى بالمزيد من القوّة. وإدراك واشنطن أن استئناف استخدام القوّة سيسبّب ردًّا إيرانيًّا وتصعيدًا يعود الطرفان بعده إلى التفاوض، ولذلك امتنعت واشنطن هذا الأسبوع وبعكس كافّة التوقّعات عن المشاركة المباشرة، أو غير المباشرة في الهجوم الإسرائيليّ، أو الردّ الإسرائيليّ على قصف إيران لتل أبيب وغيرها من المناطق كردّ على قصف إسرائيل الضاحية الجنوبيّة، وأكثر من ذلك فقد عمدت واشنطن إلى الضغط على نتنياهو لإيقاف التصعيد، في اعتراف ربما غير مباشر بقوّة وحدة المعادلة الإيرانيّة الجديدة وتحت إمرة قيادة مجتبى خامنئي، والمستعدّة للتصعيد العسكريّ مع إسرائيل وجاراتها الخليجيّات، بعكس مواقف القيادة الإيرانيّة السابقة التي امتنعت عن الردّ العسكريّ مثلًا على اغتيال القياديّ العسكريّ وربما الرجل الثاني في حزب الله حينها، أبو علي الطبطبائيّ (هيثم علي الطبطبائيّ) يوم الأحد 23 تشرين الثاني نوفمبر 2025، دون أن تؤدّي الضربات الإيرانيّة لإسرائيل إلى تغيير مواقف ترامب من حيث استمرار المفاوضات، ودون أن تغيِّر رغبته في إنجاز اتّفاق سياسيّ يشكّل تتويجًا للمفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة، وفرضه على إسرائيل، سيشمل لبنان وتوحيد الجبهات وهو تغيير استراتيجيّ لا يصبّ في مصلحة إسرائيل، بل يؤكّد تآكل قوّة ردعها مقابل إيران وحتى حزب الله.
الصدام القادم مسألة وقت ليس إلاختامًا، بينما تريد أمريكا إنهاء حربها مع طهران بحسم سياسيّ واتّفاق دبلوماسيّ، يبدو أن حكومة نتنياهو ووفق آخر تصريحاتها وتهديداتها بمواصلة قصف بيروت إذا واصل حزب الله قصف البلدات الشماليّة الحدوديّة وسط حديث عن وقف مشروط ومؤقت لإطلاق النار، يجب القول صراحة إن ذلك يعني استبدال مبدأ إنهاء الحروب والمواجهات العسكريّة بحسم عسكريّ ، كما كان عام 1948 أو في حرب الأيام الستة في حزيران عام 1967، بمبدأ وقف الحروب والصدامات العسكريّة لفترات تشكّل مقدّمة لجولات جديدة، وبكلمات أخرى أن يتم نسخ “نموذج غزة” وملخّصه جولات وصدامات متكرّرة تنتهي إلى وقف لإطلاق النار، أو هدنة يعرف الجميع مع توقيعها، إن الصدام القادم مسألة وقت ليس إلا، نسخها لتسري على المواجهات العسكريّة مع حزب الله وإيران، إضافة إلى القول إنه عندما تنتهي حرب ما بكامل مكوّناتها وملابساتها إلى حديث عن “معادلات عسكريّة” فهذا يعني أننا أمام حرب ستتكرّر عمّا قريب، خاصّة إذا كان النصر العسكريّ في نظر القيادات يمكن أن يضمن لها الانتصار السياسيّ، وليذكر الجميع أن النصر العسكريّ الحقيقيّ لا يعني السيطرة على أرض، أو تدمير قدرات الخصم، بل الأهمّ من ذلك خلق واقع سياسيّ مختلف خارجيًّا وداخليًّا أو فرض معادلة سياسيّة قابلة للاستمرار لأطول وقت ممكن، ومن هنا فإنه لا يمكن فهم الصراعات والحروب المعاصرة فقط من خلال، أو بفعل الوقائع العسكريّة وحدها، بل إن فهمها الحقيقيّ يجب إن يأخذ بالحسبان عامل الزمن، أي أنها لا تنتهي بمجرد انتهاء الصدام العسكريّ، بل تتواصل بعده، وبكلمات أخرى يجب أن تأخذ القيادات بالحسبان ذلك التشابك الواضح بين الحسابات العسكريّة والسياسيّة وبين الأهداف التي توضع لهذه الحروب ربما بدوافع سياسيّة ضيّقة وداخليّة وبين الواقع الدولي الذي لا يتساوق دائمًا مع إرادة هذه القيادات ولا تجري رياحه كما تشتهي سفن القيادات، إضافة إلى ضرورة طرح السؤال الأهمّ، حول إدارة القوة العسكريّة وليس فقط وجودها أو امتلاكها، ومنع تحوّل استخدامها إلى غاية وليس وسيلة فيصبح عبئًا ثقيلًا على المجتمع والدولة والمواطن، فهل تدرك القيادات خاصّة في إسرائيل ولبنان وإيران ذلك…. والجواب يا للأسف أقرب إلى النفي. وما سفك الدماء والدمار في العديد من بقاع الأرض إلا النتيجة الحتميّة لقيادات فاسدة، لا تفهم أن السلام والأمن والأمان هو ما يجب أن توفّره للبشر، وليس الموت والهلاك والدمار، ما يذكّرني بقول الكاتب الروسيّ دوستويفسكي: “لم أرَ نظرات الحبّ الحقيقيّة، إلا على عتبات المقابر والمستشفيات. نحن أُناسٌ لا نتذكّر من نحبّهم إلا في النهاية”.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت.يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]



