شهدت أسعار الذهب تراجعاً لافتاً بعد أن بلغت مستويات قياسية تجاوزت 5600 دولار للأونصة، متداولة حالياً ضمن نطاق محدود، وذلك على الرغم من تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما يخالف القاعدة التقليدية التي تجعل من المعدن الأصفر ملاذاً آمناً يعلو مع الأزمات، وأرجع خبراء هذا الانفصال بين السعر والسياق إلى تحول جوهري في سلوك الأسواق التي أصبحت تستبق الأحداث وتسعرها مسبقاً.
تحول في سلوك السوق من رد الفعل إلى التسعير المسبق
يؤكد الخبراء أن العلاقة بين الأزمات وصعود الذهب لم تعد مباشرة كما في السابق، حيث لجأ المستثمرون إلى الشراء توقعاً لتصاعد الأحداث، ومع تحقق هذه التوقعات بدأت عمليات جني الأرباح، مما أدى إلى تراجع الأسعار رغم استمرار التوترات، ويعكس هذا التحول طبيعة حركة السوق من رد الفعل إلى التسعير المسبق للأحداث.
العوامل الكامنة وراء التراجع الحالي
يرى المحللون أن التراجع الحالي نتج عن تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والسلوكية والتحديات العالمية، وفي السوق المحلي الكويتي الذي يعتمد كلياً على الاستيراد من دول مثل الإمارات وسويسرا، تبرز عدة أسباب رئيسية:
- جني الأرباح: لجوء المستثمرين إلى البيع بعد تحقيق مكاسب من الصعود القياسي السابق.
- تحول السيولة: توجه رؤوس الأموال نحو أصول أخرى مثل النفط، خاصة مع المخاوف المتعلقة بإمداداته وإغلاق مضيق هرمز.
- سياسات البنوك المركزية: تثبيت أسعار الفائدة وعدم خفضها كما كان متوقعاً، إلى جانب ارتفاع عوائد السندات الأميركية وقوة الدولار، مما يضعف جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً.
- تحديات سلاسل الإمداد: التي تشكل عقبة أمام استقرار السوق المحلي المعتمد على الاستيراد.
توقعات باستعادة الذهب لمساره الصاعد
يتوقع الخبراء أن يعاود الذهب اتجاهه الصاعد على المدى المتوسط والبعيد، مع استمرار العوامل الداعمة له عالمياً، مرجحين أن يحقق المعدن الأصفر مستويات قياسية جديدة قد تصل إلى 6000 دولار للأونصة بعد انتهاء مرحلة التصحيح الحالية أو “الاستراحة المؤقتة”، ويشددون على أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كملاذ آمن، لكن ضمن معادلة أكثر تعقيداً تتأثر بمتغيرات متشابكة.
شهد العقدان الماضيان تحولات كبيرة في علاقة الذهب بالأزمات، فبينما قفز سعره بأكثر من 30% خلال الأزمة المالية العالمية 2008، وأظهر صموداً أثناء جائحة كورونا، أصبحت استجابته اليوم أكثر حذراَ وتأثراً بتوقعات السوق وسياسات البنوك المركزية، مما يجعله أداة استثمارية أكثر ديناميكية وتعقيداً من فكرة “الملاذ الآمن” التقليدية.








