
المصدر: أقرأ نيوز 24
الكاتب: باتريسيا جلاد
حينما يعاود خط الغاز العربي نشاطه ويبدأ في استئناف دوره بين مصر والأردن وسوريا ولبنان، تكون قد ارتفعت وتيرة النقاشات والاجتماعات حول إعادة تفعيل هذا المشروع الحيوي، خاصة بعد استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا ورفعها للعقوبات الأمريكية، الأمر الذي فتح الباب أمام فرص جديدة لإحياء الخط. وفي هذا السياق، سارع وزير الطاقة جو صدّي إلى البحث عن مصادر تمويل لتجهيز وصلة لبنان وسوريا التي أنجزت عام 2009، والتي كانت تُضخ عبرها في السابق 28 مليون قدم مكعب من الغاز المصري إلى معمل دير عمار، قبل أن يتوقف العمل به مع بداية الحرب في سوريا.
تاريخ ومسار خط الغاز العربي
يمتد الخط العربي على مسافة تقارب 1200 كيلومتر، ويبدأ من العريش في شمال شرقي مصر، مرورًا بالأردن (العقبة)، ثم سوريا (حمص)، ويصل أخيرًا إلى لبنان (طرابلس)، وكان مخططًا أن يمتد ليشمل تركيا ومن ثم أوروبا، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
بدايات المشروع وتطوره
تم توقيع مذكرة تفاهم بين مصر، سوريا، ولبنان في ديسمبر 2000 لإنشاء خط لنقل الغاز الطبيعي العربي، فيما انضم الأردن رسميًا إلى الاتفاق في يناير 2001 بهدف إنشاء هذا المشروع الحيوي.
بدأت المرحلة الأولى في عام 2003، مع افتتاح الخط الممتد من العريش في سيناء إلى العقبة في الأردن، بطول 265 كيلومتر، وباستثمار قدره 220 مليون دولار، بهدف تزويد محطات توليد الكهرباء في الأردن بالغاز.
أما المرحلة الثانية، فاتُمدت في عام 2005، من العقبة إلى شمال الأردن (الرحاب)، بطول 390 كيلومتر تقريبًا، تلتها المرحلة الثالثة التي أُنجزت بعد ثلاث سنوات، ورفعت الخط إلى سوريا (حمص) ولبنان (دبير عمار)، عبر ربط المناطق الرئيسية.
توقف الخط وتأثير الحرب على عمله
لم يمضِ وقت طويل على تشغيل هذا الخط، إذ توقفت عملياته بشكل كامل في 2011، نتيجة لاندلاع الحرب في سوريا، وعمليات التفجير المتكررة التي استهدفت الأنابيب في سيناء، بالإضافة إلى تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي.
إعادة إحياء مشروع الغاز العربي بعد سنوات من التوقف
في أغسطس 2021، أعلن عن خطة لإعادة إحياء مشروع نقل الغاز من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، بعد عدة سنوات من التوقف، واتبعت سلسلة اجتماعات تقنية ووزارية في عمان ودمشق، تناولت تقييم جاهزية البنية التحتية وضمان التنفيذ، قبل أن يتم توقيع اتفاق رسمي في بيروت في 21 يونيو 2022. إلا أن هذا الاتفاق لا يزال حبرًا على ورق، ولم يتم البدء في ضخ الغاز بعد، نتيجة للعقبات المتعلقة بالعقوبات المفروضة على سوريا، والتأخير في التمويل من البنك الدولي، إلى جانب تأخر إصلاحات قطاع الكهرباء في لبنان.
مذكرة التفاهم وتحديات التمويل
وقع لبنان في 29 ديسمبر 2025 مذكرة تفاهم مع مصر لاستيراد الغاز الطبيعي، إلا أن تنفيذها يواجه عراقيل تقنية ومالية، تتعلق بضرورة إعادة تأهيل خط الغاز العربي، والتنسيق مع سوريا والأردن، وإنجاز الشروط الفنية والمالية ذات الصلة.
جهود التنسيق وتحشيد الإجراءات
خلال الأيام الماضية، عقد وزراء الطاقة في لبنان وسوريا والأردن اجتماعًا فنيًا لبحث الإجراءات اللازمة لتفعيل خط الغاز العربي، مع التركيز على تلبية احتياجات لبنان من الطاقة، فبادرت وزارة الطاقة اللبنانية لإرسال وزيرها جو صدّي إلى عمان لمناقشة التمويل، حيث قال: “إن تجهيز وصلة حمص ولبنان لنقل الغاز يتطلب توفر التمويل”، وذهب إلى عمان لملاقاة نظرائه لمتابعة المباحثات حول هذا الملف.
سعة الخط العربي وتوزيع الاستفادة
السعة التصميمية لخط الغاز العربي تبلغ حوالي 10 مليارات متر مكعب سنويًا، لكن الاستخدام الفعلي دائمًا أقل من ذلك، ويتمتع خط الغاز العربي بإمكانات كبيرة، خاصة مع تشغيله بكامل طاقته، حيث ستستفيد سوريا بشكل كبير من كونه ممر عبور ومستهلك مباشر، إذ يمكن أن تصل استهلاكاته إلى حوالي 4 أو 5 مليارات متر مكعب سنويًا من الغاز لتوليد الكهرباء، في حين أن الأردن يتراوح استهلاكه بين 3 و4 مليارات متر مكعب سنويًا. أما لبنان، فتمتلك حصة صغيرة تُقدر بـ 650 مليون متر مكعب سنويًا، أو 28 مليون متر مكعب يوميًا، وهي الكمية التي يمكن أن تشغل معمل دير عمار وتوفر ساعات تغذية إضافية، إلا أنها لم تُضخ حتى الآن بسبب العوائق السياسية والمالية.
ظروف العمليات وتأثير العقوبات
تضررت إمدادات سوريا بسبب الحرب، وكانت العقوبات الأمريكية عائقًا أمام تشغيله، أما وصلة لبنان فهي لم تتضرر بشكل كبير، لكنها تتطلب تجهيزًا تقنيًا لضمان عملها بكفاءة.
أهمية الخط لاقتصاد سوريا ومستقبل لبنان
سوريا بحاجة ماسة إلى هذا الخط مع اقترابها من نهضة اقتصادية وصناعية، فهي تتطلب مزيدًا من الكهرباء، كما أن عبور الغاز إلى لبنان سينعكس بالفائدة على كلا الجانبين، ويزيد من قدرات سوريا على الاستفادة من الغاز كمصدر بدلًا من الاعتماد الكلي على الواردات الخارجية.
مصادر التمويل وإمكانات الإصلاح
وفيما يتعلق بتمويل إصلاح الوصلة، أوضحت المحامية والخبيرة في الطاقة، كريستينا أبي حيدر، أن “وزارة الطاقة تبحث عن مصادر تمويل، سواء من البنك الدولي أو من الدولة نفسها، حيث أن حالة الممر اللبناني أفضل نسبياً وتحتاج إلى أقل استثمارات لإعادة تأهيله، على عكس خط سوريا الذي تعرض لأضرار كبيرة خلال الحرب.” كما أضافت أن مشروع تجهيز الوصلة من شأنه أن يسرع عملية تشغيل خط الغاز العربي بشكل فعال، خاصة مع إمكانية استثمار المنحة الدولية لمشاريع التحديث والطاقة.
الفوائد الاقتصادية والاستراتيجية من تفعيل الخط
بعد الانتهاء من التمويل والتجهيز، وبدء استجرار الغاز، يتوقع أن يعود ذلك بفوائد اقتصادية ملحوظة على لبنان، خاصة من حيث تخفيض كلفة الكهرباء، تنويع مصادر الطاقة، وتحقيق الأمن الطاقوي. فباستخدام الغاز بدلاً من الفيول، ستنخفض تكلفة التشغيل، وستتقلص الفاتورة البيئية والصحية، بسبب قلة التلوث الذي يسببه الغاز مقارنة بالوقود الثقيل، كما ستتمكن البلاد من تقليل الاعتماد على استيراد الفيول والسولار، وتخفيف تأثير تذبذب أسعار النفط العالمية.
خطط الوزير واستراتيجيات التطوير المستقبلية
يسعى وزير الطاقة إلى إنشاء معاملين جديدين يعتمدون على الغاز في الزهراني ودير عمار، لزيادة إنتاج الكهرباء، بالإضافة إلى محطة تغويز FSRU لتوفير الغاز، وتحقيق تفعيل خط الغاز العربي لتخفيف أعباء النقل والتكاليف في قطاع الكهرباء، وتعزيز الأمن الطاقوي على المدى الطويل.
تطوير البنية التحتية والاستفادة من مشروع الخط
تُعد تجهيز وصلة حمص ولبنان ركيزة أساسية لضمان تشغيل المعامل اللبنانية على الغاز بشكل مستدام، مع استكمال البنية التحتية في مراحلي الزهراني والذوق، العاملين حاليًا على الفيول والغاز، لتعزيز قدرات البلاد وتحقيق الاستقلال الطاقي.
التحديات القانونية وخطوط التعاون المستقبلي
أما مشكلة المصدر الإسرائيلي للغاز، فرأت أبي حيدر أن اتفاقية لبنان مع مصر لا تتعارض مع إسرائيل، إذ أن العقد مبرم بين لبنان ومصر، وليس مع إسرائيل، وأن تنويع مصادر الغاز يوفر مرونة أكبر، خاصة أن تكلفة شراء الغاز تتألف من السعر المصري وتكاليف النقل، ويمكن استبدال كلفة العبور بفرض حصة على الغاز المار عبر تلك الدول.
ختاماً: استراتيجيات الحل المستدامة للطاقة
بناءً على خطة وزير الطاقة، فإقامة معملين جديدين في الزهراني ودير عمار، تُعد خطوة استراتيجية أساسية، تعتمد على الشراكات مع التمويل الدولي، لتشغيلهما على الغاز بدلًا من الفيول، والذي سيعمل على حل أزمة الكهرباء، وتوفير استدامة طاقوية، وتحقيق النمو الاقتصادي في المستقبل القريب.
