أخبار الرياضة

جريدة الرياض | مونديال 2026 بين تهدئة تداعيات الحرب ومضاعفاتها

 

الجمعة والسبت 26 / 27 ذو الحجة 1447هـ -12 / 13 يونيو 2026م

الملاعب ليست مدرجات فقط.. بل منصّات إعلامية كونية

مونديال 2026 بين تهدئة تداعيات الحرب ومضاعفاتها

لكرة القدم قدرة خاصة على التهدئة وإنتاج لغة مشتركة

البطولة تمنح الناس فسحة تنفّس إنسانية وسط الحروب فالعالم لا يتكوّن من جبهات قتال فقط

يُردّد الكثيرون أن الرياضة تبقى بمنأى عن السياسة غير أن الواقع يؤكد أنها الأقرب إلى الناس

«دبلوماسية الجمهور» تسعى لتلطيف الأجواء والجماهير

بطولة كأس العالم بفعل كثافة المتابعة العالمية وتجاوزها حدود الجغرافيا، أمست فضاءً عامًا تتقاطع فيه قضايا تتجاوز الرياضة ذاتها، وتبدو نسخة 2026 في الولايات المتحدة، إلى جانب كندا والمكسيك، مرشحة لأن تُستقبل لا باعتبارها حدثًا رياضيًا استثنائيًا فحسب، بل كونها بطولة تُقام داخل ظرف وزمن سياسي مثقل بتداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما تتركه من ارتدادات ممتدة على شاشات العالم.

والاستفهام الذي يظهر هنا هل السياسة ستظهر في المونديال؟ بل كيف ستظهر وبأي درجة؟ فالملاعب ليست مدرجات فقط، بل منصّات إعلامية كونية، لقطة واحدة قد تتحول إلى عنوان عالمي خلال دقائق، ولافتة صغيرة قد تسبق المباراة في الانتشار، وفي أزمنة الحرب، قد تُشحن النفوس بسرعة أكبر، ويصبح كل تفصيل قابلًا للتأويل والتوظيف، سواء عن قصد أو بدونه.

ومع ذلك، قد يكون لكُرة القدم قدرة خاصة على التهدئة لا لأنها تُصلح ما أفسدته السياسة، بل لأنها تُنتج لغة مشتركة حين تفشل اللغات الأخرى، هناك لحظات يلتقي فيها المختلفون على قواعد بسيطة مثل احترام المنافس وقبول الخسارة، وقد تمنح البطولة للناس فسحة تنفّس إنسانية وسط سيل أخبار الحروب، فتُذكّرهم بأن العالم لا يتكوّن من جبهات قتال فقط، بل من بشر يبحثون عن معنى طبيعي للحياة، وفرح مؤقت، وأحداث أقل أو دون قسوة من نشرات المساء.

ويمكن أن يترسّخ تلطيف الأجواء والتقارب كذلك عبر ما إذا صح تسميته بـ»دبلوماسية الجمهور»، أي ذلك الأثر الذي تصنعه اللقاءات اليومية العفوية خارج القنوات الرسمية، فعندما تتجاور الجاليات في مدن الاستضافة، وتتحرّك الجماهير بين الملاعب والأسواق والمقاهي ووسائل النقل، عندها تتراجع ولو جزئيًا سطوة الصورة النمطية، وتُكسر الحواجز، صحيح أن الاحتكاك المباشر لا يمحو الخلافات ولا يلغي تباين المواقف، لكنها تقلّص قابلية الآخر لأن يُختزل إلى صورة مجردة أو يتحول إلى «فكرة عدوّ» في المخيال العام، وفي الولايات المتحدة تحديدًا، بما تملكه من تنوّع اجتماعي واسع وقدرة إعلامية ضخمة، قد تتسع مساحة هذا التلاقي المدني والحضاري، بما يذكّر بأن التعدد ليس تهديدًا بالضرورة، بل إمكانية واقعية للتسامح والتعايش.

غير أنّ الوجه الآخر يظل حاضرًا وقد تتحوّل البطولة إلى عامل مُغذٍّ للاحتقان، فالحرب، إذا تسلّلت إلى المدرّجات، لا تدخل بوصفها موضوعًا للنقاش الهادئ، بل كاستقطاب حاد يفرض منطقه على المزاج العام، عندئذٍ قد يُحمَّل اللاعب أو المنتخب دلالاتٍ ورموزًا لا صلة لها بالميدان، فتُقرأ المباراة خارج سياقها الرياضي. ومع ضغط المنصّات الرقمية تُصاغ «معارك في ثوانٍ». فربما احتفال يُفسَّر استفزازًا، وصمت يُؤوَّل اتهامًا، وموقف إنساني عام يُستدرَج ليُفهَم اصطفافًا مع طرف ضد آخر، وفي مناخ كهذا يتسع التنافر، وتتغذّى الكراهية، وتُختطف لحظات الفرح والمتعة لصالح اختبار الولاءات، بدل أن تبقى مساحة جامعة للاحتفاء باللعبة.

وتتجلّى هنا مفارقة «الحياد»، إذ يُردَّد كثيرًا أن الرياضة ينبغي أن تبقى بمنأى عن السياسة، غير أن الواقع يؤكد أنها الأقرب إلى الناس، وما دام هؤلاء يعيشون قلق الحرب فلن يكون بمقدور كثيرين تعليق مشاعرهم على أبواب الملاعب، ومع ذلك، فالمطلوب ليس تحويل المونديال إلى منبر سياسي، ولا قمع التعبير على نحو يزيد التوتر، بل إدارة دقيقة للتوازن تحمي القيم الإنسانية الجامعة لكرامة الإنسان، ورفض العنصرية، والتعاطف مع الضحايا المدنيين، من دون سحب البطولة إلى ساحة رسائل تصعيدية بين الأطراف.

ويبرز هنا سؤال جوهري: ما الذي سيحسم الاتجاه تهدئة الأجواء وتلطيفها أم زيادة الاحتقان؟ أرجّح أن ذلك يتوقف، إلى حدّ كبير، على طريقة إدارة الحدث من حيث سياسات التنظيم داخل الملاعب وخارجها، ونبرة التغطية الإعلامية (هل تُغذّي الإثارة السلبية أم تضبط اللغة وتقلّل الاحتقان؟)، وسلوك النجوم والجمهور حين يلتزمون باحتفاليات ضمن الإطار الرياضي المتعارف عليه بدل الإشارات الضيقة، ويبقى العامل الأبرز دور المنصّات الرقمية في كبح التحريض والتضليل، اللذين قد يشعلان الجمهور بلا داع ويحوّلان لحظات الفرح إلى شرارات توتر.

إجمالًا، لا تنوب كرة القدم عن السياسة ولا تضع حدًّا للحرب، لكنها تؤدي وظيفة لا تقل شأنًا حين تكشف هشاشة الخطاب حين ينقلب على إنسانيته، وتذكّر بأن الاحتفاء بالرياضة لا يستقيم أخلاقيًا من دون حدٍّ أدنى من احترام البشر.

مونديال 2026 قد يهب العالم لحظات تُخفّف ضجيج الحرب وعنفها، وقد يفضح أيضًا كيف يمكن للصراع أن يلوّث حتى أكثر المساحات براءة، وبين هذين الاتجاهين، يظلّ الرهان أن تبقى كرة القدم مساحة مشتركة، لا وقودًا إضافيًا للانقسام.

حمود فالح السبيعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى