أخبار العالم

مصر تتخذ إجراءات استباقية لتجنب أزمة طاقة محتملة

يثير حديث وزارة البترول المصرية حول زيادة احتياطيات الغاز الطبيعي جدلاً حول دقة التصريحات الرسمية، وهو أمر يعكس الشكوك بشأن مدى تحقق البلاد من هدف الاكتفاء الذاتي. عبر النائب البرلماني محمد فؤاد عن قلقه قائلاً إن الوزارة “لا تقول الحقيقة”، مشيراً إلى أن مصر كانت قد حددت في السابق عام 2023 كموعد لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ثم أرجأت هذا التاريخ إلى 2025، وأخيراً تتحدث حاليا عن عام 2030.

اكتشافات الغاز الجديدة وتوقعات الإنتاج

تزامن هذا الجدل مع إعلان وزارة البترول عن اكتشاف جديد بواسطة شركة إيني الإيطالية، حيث قدروا احتياطياته بنحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز الطبيعي و130 مليون برميل من المكثفات، وأكدوا أن هذا الاكتشاف سيدعم الإنتاج المحلي ويخفض من فاتورة الاستيراد. لكن، على الرغم من هذه الاكتشافات، فإن مصر لا تزال تواجه أزمة طاقة مستمرة، تفاقمت بسبب الاضطرابات الإقليمية مثل توقف إمدادات الغاز من إسرائيل، والاشتباكات العسكرية في المنطقة، وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وانخفاض مستويات العرض.

التحديات المالية وضغوط سوق الطاقة

تكشف الزيادة السريعة في فاتورة الطاقة خلال الأشهر الأولى من عام 2026 عن مدى الضغوط على المالية العامة، لكن المشكلة لا تقتصر على النفط والغاز، بل تمتد إلى محدودية قدرة الموازنة على التحرك وسط عبء الدين. ففي الأشهر الأولى من العام، ارتفعت تكاليف استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في يناير، إلى 1.5 مليار دولار في فبراير، ثم إلى 2.5 مليار دولار في مارس، بحسب أرقام رسمية، وأقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن هذه الزيادة تمثل ضغطاً على الميزانية. وكان ذلك ضمن توقعات موازنة 2025-2026 التي بنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، في حين وصل سعر بعض العقود الآجلة إلى 112 دولاراً.

اعتمادات على الديون وضعف القدرة على تحمل الصدمات

لكن، اتساع الفجوة بين التقديرات والأسعار الفعلية يعبر عن أزمة أعمق، إذ أن نحو 80% من الإنفاق العام يُخصص لخدمة الدين، مما يقلل من قدرة الحكومة على التعامل مع الصدمات الخارجية، ويجعل ارتفاع فاتورة الطاقة جزءاً من أزمة ذات طبيعة مالية أعمق. قال النائب محمد فؤاد إن “الاقتصاد دائماً في حاجة إلى دعم خارجي، مهما تحسنت المؤشرات لفترات محدودة”، وهو ما يعكس اعتماد مصر الكبير على التمويل الخارجي، مما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الإقليمية.

آثار الحرب وقضايا سوق الصرف

تبرز تلك المخاطر في ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه بأكثر من 12% منذ بداية الحرب في مارس، حيث وصل إلى 54.86 جنيه، مما يعيد إلى الأذهان مخاوف المستثمرين والتجار بشأن احتمالية تشديد القيود على تداول الدولار، خاصة مع نقص العملة الأجنبية والضغوط الناتجة عن الأحداث الإقليمية، وهو ما يعزز السوق السوداء ويزيد من أجواء عدم الاستقرار النقدي.

البطء في تحسين إنتاج الطاقة ورفع مستوى الاعتماد على الاستيراد

سعت الحكومة إلى تخفيف ضغوط سعر الطاقة من خلال رفع أسعار الوقود بشكل ملحوظ، حيث زاد سعر بنزين 92 ثلاثة جنيهات، من 19.25 إلى 22.25 جنيه للتر. على الرغم من الحديث عن اكتشافات جديدة وارتفاع متوقع في الإنتاج، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن مصر تتجه نحو تقليل اعتمادها على الاستيراد أو الحد من فاتورة الطاقة المتزايدة. أكد خبراء مثل مدحت يوسف أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يتطلب رفع الإنتاج اليومي إلى حوالي 7.3 مليار قدم مكعبة، مع الحاجة لاكتشافات إضافية لدعم هذا الهدف بحلول عام 2030، حيث إن الغاز هو المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء، بنسبة تصل إلى 81% حتى نهاية 2024.

نقد اضطرابات الإنتاج وضعف الثقة في السياسات الحكومية

انتقد النائب محمد فؤاد الحكومة بقوله إن وزارة البترول “تروج لتحقيق الاكتفاء منذ سنوات”، رغم أن الإنتاج الفعلي انخفض خلال 2026 إلى أدنى مستوياته خلال عقدين، مؤكدًا أن الحكومة تفتقر إلى خطة واضحة لحل الأزمة، وتكتفي بتأجيل الانفجار، دون معالجة أسبابه الأساسية. في ظل هذه الأوضاع، لجأت الحكومة إلى إجراءات تقشفية، مثل الإغلاق المبكر للأنشطة التجارية والمولات عند التاسعة مساء، قبل أن تتراجع جزئياً إلى الحادية عشرة ليلاً بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وضغوط مجتمعية من قطاعات تعتمد على ساعات العمل الليلية، بالإضافة إلى حملة دعائية حكومية لترشيد استهلاك الطاقة، بمشاركة مسؤولين وفنانين.

فجوة في زيادة الإنتاج وضرورة الثقة مع الشركاء الأجانب

رغم أن تصريحات الحكومة تشير إلى رفع إنتاج النفط من حقول خليج السويس إلى 26.6 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ 17 ألف برميل في العام المالي 2025-2026، فإن ترجمة تلك الوعود إلى واقع يتطلب أكثر من وجود الاحتياطيات، إذ أن نجاح زيادة الإنتاج مرتبط بقدرة الدولة على الالتزام تجاه شركائها الأجانب. أكد خبراء مثل مدحت يوسف أن الشركات الأجنبية لا يمكنها زيادة الإنتاج دون تمويل كبير، ودون التزام الدولة بسداد المديونيات وتسوية المستحقات بشكل منتظم، وهو ما يشكل تحدياً جديداً أمام الحكومة.

السعر (بالدولار) المدة
75 سعر برميل النفط المتوقع في موازنة 2025-2026
112 أسعار العقود الآجلة لبعض خامات النفط

أشار برلمانيون، من بينهم حزب العدل، إلى وجود استجواب قدم إلى وزير البترول كريم بدوي حول تراجع الإنتاج، حيث تم السؤال عن انخفاض الإنتاج اليومي من نحو 7 مليارات قدم مكعبة إلى 3.9 مليار قدم، وزيادة فاتورة الاستيراد من 12 مليار دولار في 2024 إلى 21 مليار دولار في 2025. لكن، لم يتم استدعاء الوزير للمساءلة، رغم استمرار الحكومة في الترويج لطرح شركات بترول في البورصة لجذب استثمارات جديدة، مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الطلب على الطاقة.

زر الذهاب إلى الأعلى