X إغلاق

الناشط عبد الحكيم مفيد يكتب من جنوب افريقيا:

من "1948" إلى "1948" طريق استنبول

عبد الحكيم مفيد- جنوب أفريقيا
آخر تحديث 30/07/2016 18:58
 
الأيام تتيح لك مشاهدة ذات الزاوية من الزوايا الأخرى، المفارقات تزيد من انفعالك فقط، أمام جبل "أقرع" في كيب تاون  يرتفع خلفك أو أمامك بشكل لافت للنظر. فليست كل الجبال تقف بذات الشكل والهيئة، في طقس بارد قارص للغاية. تندهش المرة تلو الأخرى وأنت تبحث عن "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"؛  كما هو عنوان  المؤتمر الذي نظمته مؤسسة فلسطينيي جنوب أفريقيا (أبسا).
 
نفس الوجوه التي تراها تقريبا وفي العادة، في سياق آخر ومن زاوية أخرى، منذ أوسلو قبل 23  عاما، حين تحول "المشروع الوطني الفلسطيني" إلى مادة للتداول والبحث والترتيب وإعادة الصياغة.
 
في كيب تاون في جنوب أفريقيا، دولة الأبرتهايد يصبح  "المشروع الوطني الفلسطيني" والبحث عنه  وعن مستقبله الذي فقد في الأمس، شيئا مثيرا .
 
التواريخ والسنين هنا في كيب تاون لها معنى: 1948 كانت النكبة ، 1948  بدأ الأبرتهايد،1993  كان أوسلو، 1993  انتهى الأبرتهايد، رسميا على الأقل.
 
لم ينته الأبرتهايد بعد في جنوب أفريقيا، وما تشاهده على الشاشة ليس ما تشاهده على الأرض. الفرق شاسع للغاية؛ مثل مدينة الصفيح التي تستقبلك عندما تنتقل من المطار إلى مكان الإقامة خارج  كيب تاون، مدينة صفيح وزينكو يقطنها الآلاف، وما زالت حدودها من أيام الأبرتهايد و"الهوم لاندس" التي بناها نظام الفصل العنصري لتحديد إقامة السود .
 
مدهش كيف يجري الإعلان عن بداية الأشياء، وكيف يجري تجاوزها. أوسلو والابرتهايد توأمان. والذي يبحث عن مستقبل "المشروع الوطني الفلسطيني" في كيب تاون، بالذات هنا، يعرف أنه يهرب من التاريخ والحقيقة.
 
أحيانا لا تعرف ما تفعل هنا، في منتجع ساحر الجمال يقع في آخر الدنيا؟ هل يميل الناس في المنتجعات للتعامل مع الصراعات بشكل مختلف، أم أننا :"تبلبلنا في الوقت  ومش فاهمين اشي"، كما تساءل  أحد المشاركين في المؤتمر؟
 
ذات الكلمات تقريبا، نفس المصطلحات، ما زالت الأمور في ذات الدائرة، والأهم أن أوسلو حقق أهدافه  كما أراد واضعوه: ليس مجرد مفاوضات عبثية، بل شعب مقسوم على نفسه، وكيانات تحاصر نفسها، والشعب الفلسطيني مشغول بنفسه أكثر من انشغاله بالاحتلال. ولعل أخطر ما في الأمر أنه يبحث عن سلطة لمكان لا يمكن أن تحقق فيه سيادة.
 
معركة السود
 
هل خسر السود في  جنوب أفريقيا معركتهم بذات الأسلوب، لكن من زاوية أخرى؟ كيف تعيش مدن الصفيح الكبيرة محكمة الإغلاق كما  "الهوم لاندس" التي بناها البيض للسود في  عصر الأبرتهايد، بعد عشرين عاما من نهاية الأبرتهايد؟ بالضبط كما أن الاستيطان ما زال يتوسع ويزداد بعد 23 سنة من أوسلو! كل الأشياء مثيرة حين تمد خطا بين فلسطين وبين جنوب أفريقيا.
 
حين تعبر من رقم إلى رقم؛ من "1948" النكبة إلى "1948" الأبرتهايد طريق استنبول، كل الأشياء التي تبحث  عن "مستقبل" ما زالت تعيش في  الماضي. لا أحد يبحث عن مستقبل بدون ماض، فالذي يهرب من الماضي لن يجد مستقبلا، بالذات في القضايا التي تمتد في عمق التاريخ. ومن يبحث عن  انقلاب على الماضي سينتظره انقلاب غدا أو في اللحظة الراهنة، مثل رجال الشرطة في مطار أتاتورك، الذين لا يأخذون مخاطرات كثيرة على أنفسهم؛ من جهة يحاولون الاستقبال والتعامل مع الوافدين إلى المطار بهدوء وابتسامة، لكنهم يذكرون جيدا "داعش" و"انقلابيي الليل". بالنسبة لهم ولتركيا لا فرق بين "انقلابيي الليل" وبين "داعش"، فكلاهما يخرج في الظلام، وكلاهما يعملان سوية، ويسيران إلى ذات الهدف: تدمير البلاد.
 
بالذات في مطار أتاتورك في تركيا الحديثة، حيث لا يترك  رجال الشرطة بابا مفتوحا للمخاطرات، يمكن  ملاحظة حالة التوتر. التوتر يظهر على الوجه وفي نقاط التفتيش، فهؤلاء لا ينسون  ان بلدهم كادت تسرق قبل أسبوع.
 
"المفاوضات ليست الشيء الأمثل"  كما يقول عزيز بهاء من جنوب أفريقيا.
 
 "المفاوضات فشلت  ومشروع المفاوضات فشل"، كما قال عمر شحادة، من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
 
من يصل إلى جنوب أفريقيا ويقطع 8000 كم ليبحث في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في منتجع رائع الجمال بعد 23 سنة من الوعد بدولة وعودة والقدس، يعرف أن  الأزمة وصلت ذروتها، وعندما لا تجد ما تقول تبتكر شيئا جديدا وتهرب به إلى منتجع بعيد. هذه هي الحقيقة.
 
لم يترك أحد من الذين تحدثوا من الفلسطينيين كلمة في ذم المفاوضات والتفويض إلا قالها: المفاوضات فشلت، ومشروع  المفاوضات كان عبثيا، دفعنا ثمنا باهظا. حتى الأفارقة .
 
عماذا يبحث الفلسطينيون في جنوب أفريقيا؟ سؤال مهم، لكنه على الأغلب عابر بالنسبة للأفارقة الذين غزاهم بنيامين نتنياهو مؤخرا. فنتنياهو يخترق أفريقيا والفلسطينيون يبحثون عن زاوية يتحدثون فيما بينهم في جنوب أفريقا! ولاحظ الفرق: جنوب أفريقيا أيضا لا تأخذ مخاطرات، مثل الشرطة في مطار كيب تاون.
 
فاحص الجوازات دقق في وجهي للغاية:
 
 "هدف زيارتك؟"..سالني.
 
 "المشاركة في مؤتمر بدعوة من وزارة الخارجية"،أجبته.
 
"هل يمكن أن تضع يدك هنا"؟ وأشار إلى فاحص كهربائي لتصوير الأصابع، بصمات بلغة أخرى، كما وطلب مني الوقوف أمام كاميرا لتصويري، للاحتياط. وبعد أن سلمني الجواز قال لي بالعبرية: "شالوم"!! لم أدر وقتها بعد أن رافقتني حالة من التوتر ورافقني كلام في التدعيش من أحد أفراد الوفد مازحا، إن كان يجب أن أكون أقل توترا. وسألت إن  كان فحصني وهو متأكد من أنني أحمل جواز سفر إسرائيليا؟؟ والبقية لكم.
 
من "1948" الأولى إلى "1948" الثانية، مرورا ببلاد محمد الفاتح عبر مطار أتاتورك، تمر فوق كل المفارقات  التي تريد، بلاد الانقلابات  وبلاد  المؤامرات؛ من فوق الإسكندرية وأسوان والقاهرة، فوق منابع النيل وأثيوبيا، بين مصر وليبيا، السيسي  وحفتر. وعلى امتداد 7500 كم لك أن "تختار طريقة الموت"؛ في البحر أو في الصحراء، يمزقك أو يبتلعك قرش، أو في غابات أفريقيا يتناولك أسد لوجبة إفطار.. أهلا وسهلا بكم في بلاد الأبرتهايد.
 
بلاد  ملونة
 
"نحن نتفق على حلول وسط، ولكن لا نتنازل عن المبادئ"، كلام من الأفارقة الذين عاشوا في فترة الأبرتهايد، وشاركوا في المؤتمر.
 
جنوب أفريقيا بلاد ملونة، البيض والسود والأفريقان والمالي. الأفارقة يحبون الألوان التي تختلط في بيوتهم وملابسهم. الفلسطينيون يتحاورون بعيدا عن بلادهم، فهل يبحثون عن ألوان جديدة لم يجدوها في بلادهم؟!
ليس هذه المرة الأولى التي يصل فيها الفلسطينيون إلى منتجع للحوار، قبل أوسلو كان مليئا بالمنتجعات، وما بعده. وفي كيب تاون المنتجعات هي "لغة الحوار" السائدة في القضايا شديدة الحساسية، وكثيرة التعقيد. المنتجعات ليست الأمكنة التي يجري فيها الحديث حول القضايا فقط، هي الأماكن الذي تعيش فيها القضايا أيضا.
 
هذا  كله لا يسلب من جنوب أفريقيا ومن كيب تاون جمالها الساحر، والحديث عن النكبة والأبرتهايد، الخاص والعام، المتخيل والمتهيئ، بلغة  فلاسفة السياسة، وإعادة إنتاج النكبة بنكهة جديدة في كيب تاون. هكذا تصبح مقولة "المهم ليس ما كان" مخرجا "واقعيا" و"فلسفيا"  لكل أزمة.
 
في كيب تاون عادت مقولة "المهم ليس ما كان". فليس مثلها أسلم وأفضل للخروج من الأزمة التي أوصلت الفلسطينيين إلى كيب تاون، ليتحاوروا فيما بينهم، وليس في غزة أو نابلس! هذا مختصر تاريخ  الحالة الفلسطينية الآن.
 
عندما يحاورك الإسرائيلي في اللحظة التاريخية قبل 5 آلاف عام وكأنها الآن، وعندما يقول المفاوض الفلسطيني:"المهم ليس ما كان"، تعرف الفرق الكبير بين الطرفين، وتعرف لماذا وصلنا إلى كيب تاون.
 
اللحظات التاريخية الماضية التي أوصلتنا إلى كيب تاون بنيت على فلسفة "المهم ليس ما كان"، قرار 242، البرنامج المرحلي، برامج التسوية على أشكالها، مدريد وأوسلو. وعندما لم يبق أي شيء بقيت مقولة "المهم ليس ما كان" حاضرة، تخاطب الفلسطيني حتى هذه اللحظة، وحين كان يعود الفلسطيني خطوة واحدة إلى الخلف كان يتهم دائما بـ"الماضوية" و"التخلف" و"عدم الواقعية"، كل هذه مجتمعة هي التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى حيث وصل.
 
عندما تبحث عن "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني" في جنوب أفريقيا، تعرف أن أهم شيء هو: "المهم ما كان"!
 
"أوسلو والمفاوضات اصطدمت بحائط"، كما قال أحد المتحدثين، و"المقاومة" كذلك، قالها على ما يبدو "للتوازن". لا يمكن طبعا أن تهرب من الأزمة، فهي حاضرة وحية وتتنفس.
 
أفضل شيء أن تهرب من التعبير عن حالة الإحباط، الذي لا يخلو من اليأس أحيانا، إلى البحث عن فشل الآخرين. في إمكان الفلسطينيين أن يهربوا حيث يريدون، لكن لا يمكن أن يهربوا من أزمتهم أو أزماتهم، واقصد نحن الفلسطينيين.
 
"أوسلو هو الذي أوصلنا إلى هنا"، قال أحد المشاركين، ممن كانت لديهم قناعة أن أوسلو: "سيوصلنا إلى مكان آخر"، كما أضاف: "نحن الآن في جنوب أفريقيا مثل الذي يتحسس الطريق من جديد، والحقيقة أننا نتحسس طريقا جديدا، ولا ادري إن كنا سنجدها هنا".. الحالة باختصار.
 
قفزَت في المؤتمر مصطلحات ومقولات بعضها قديم وآخر "محتلن" و"مجدد": "وعي الواقع" و"إنكار الواقع" و"إضفاء الشرعية".. صحيح أن "إنكار الواقع" لا يحل مشكلة بل يعقدها، ولكن ماذا فعل: "الاعتراف بالواقع"؟
 
الأزمة الذي يعيشها شعب بأكمله في وطنه وفي الشتات  تحضر بقوة، بحسب الواقع الآن: "الشعب الفلسطيني مشرذم ومنقسم، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئا بدون الوحدة"، هذا كلام لن تجد فلسطينيا لا يقوله؛ الذين قدموا إلى كيب تاون، والذين بقوا في البيت.
 
لم يتفق الحاضرون أن كان هناك اشتياقا إلى الماضي، وأين يكمن الماضي بالضبط؟ في مرحلة المقاومة، حين كان الشعب الفلسطيني مختلفا لكنه كان متفقا على أن هناك قضية واحدة لا يجوز الاختلاف عليها وحولها، بالذات حول ثوابتها.
 
"الحنين إلى الوطن ليس حنينا إلى الماضي"، كانت مقولة ملفتة للنظر، أو هي تعبير عن البحث عن  وطن، الحنين والاشتياق والمعاناة. فهل يكون اشتياق الفلسطينيين أيضا إلى "معاناة تجمعهم"، أو احتلال شامل يعيد لهم "هيبة المقاومة"؟ سؤال محرج للغاية.
 
"تفاوض نلسون مانديلا ودي كلارك 6 سنوات حتى الوصول إلى اتفاق بعد الإعلان عن نهاية الأبرتهايد. وهناك من اعتقد أن السود ومفهوم الدولة لا يتفقان، وإنهم غير قادرين على ممارسة الديمقراطية. وما زالت جنوب أفريقيا حتى الآن تعيش الأبرتهايد، فـ"هنا تحكم الأقلية البيضاء الأكثرية السوداء التي تعيش في مدن الصفيح"..كلام واضح من مناضل جنوب أفريقي.
 
جنوب أفريقيا دولة لخمسة شعوب: البيض والسود والملونين والمالي ورأس الرجاء الصالح. 
 
في المنتجع بحث  البعض عن دولتين، واكتفى آخرون بدولة واحدة. والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الفلسطينيين وصلوا إلى كيب تاون لأن الأزمة أكبر بكثير من مجرد  الاتفاق على دولة أو اثنتين.

أضف تعقيب

ارسل

تعليقات


أذهب للأعلى